الأخبار
الرئيسية / مقالات الرأي / ليس دفاعا عن الحزب

ليس دفاعا عن الحزب


لم أعد عضوا في حزب العدالة والبناء، ولست هنا بصدد الدفاع عنه، ولكنني أدافع عن حقهم في ممارسة السياسة… لست معهم في أخطائهم، ولكن من حقهم عليّ، وقد كنت يوماً من مؤسسي الحزب وأبرز أعضائه، أن أدافع عن حقهم في العمل السياسي بشتى أنواعه في إطار الدستور والقانون…
في كل مرة يجري فيها استحقاق سياسي في ليبيا يعاود بعض من يحسبون أنفسهم على الليبرالية النبش في صناديق قمامة المقولات ليخرجوا منها معزوفة تضع نفس العناوين وتتفوه بنفس العبارات؛ الإخوان المسلمون، الأيديولوجيا، الأجندة العابرة للحدود… الجماعة والوطن… إلى آخر تلك القائمة التي يكتبها من لا يقتنع بها، ويرددها من لا يفقه في معانيها شيئا، أحرى أن يفقه مقاصد كاتبيها، أو مردديها.
أنتجت المعزوفة في ربيع الثورة المضادة عندما انقلبت أحلاف ممن يسمون أنفسهم ليبراليين على نتائج صناديق الاقتراع، وتحالفت مع أعداء الحرية والديمقراطية؛ لوأد أحلام الشعوب في التحرر، والعيش الكريم؛ ولأنها عثرت على هذه الشماعة، في لحظة انكسار من الإرادة في شعوب أنهكتها عقود الخسف والتجهيل والتنكيل والتضييق، فهي تحاول نفض الغبار عنها كلما حانت ساعة استحقاق وطني، تلبِّس بها على من تحاول استغفالهم، ولكنها تنسى أن الكذبة الأولى برق والثانية تحرق.
أصحاب هذه المعزوفة يعلنون إيمانهم بقيم سامية، حرية التعبير والتعددية وكامل الحقوق والحريات، وتكوين الأحزاب والتظاهر، لكنها لهم، لا لغيرهم، وفي أول اختبار يسقطون ويكفرون بهذه القيم السامية.
بعد انتهاء عملية الانتخاب في جنيف، وبعد ما هنأ الليبيون بعضهم بعضا، وطوى الجميع صفحة المنافسة والتسابق الانتخابي في قاعة الحوار بجنيف، انبرى أحد هؤلاء يسجع سجعا كأنه نثر للكلمات بطريقة لا تدعم فكرة، ولا تبني منهجا، والحقيقة أني عندما وصلت إلى قوله: “أن تتعلموا من التاريخ، لا أن تتعلموا على الجغرافية” تساءلت في نفسي أيعي ما يقول؟
أعاد الأستاذ على صفحته في الفيس بوك نفس المفردات، والجمل بفواصلها عن الإخوان والوطن، وعن سيطرة الإخوان على الدولة، وعن استحواذ الإخوان على السلطة. وكان في كل ذلك يعيد كلاما قيل وقيل حتى ملّه القراء والسامعون، ولكنه حين خلص إلى نتاج ما أسماها الست العجف في ليبيا أتى بالعجائب! وذلك بتحميل الإخوان مسؤولية الحرب على العاصمة طرابلس، وهو اتهام يكفي عرضه للرد عليه. إلا إذا كان الفاضل يعتبر الشيخ خليفة حفتر من الإخوان!. ويعتبر دولة الإمارات هي عاصمة الإخوان المسلمين حول العالم.
لا يمكن مجاراة مثل هذه الاتهامات بالنقاش؛ لأنها لم تعرض للنقاش، ولم تكتب للنقاش، وإنما كتبت لكيل اتهامات مكرورة لم يتوان أصحابها عن الزج بهذا الاسم الرنان (الإخوان) في كل جدال، وخصومة؛ لذلك سأكتفي بإشارة إلى مفاهيم أساسية أظنها تلم شتات المعزوفة المتناثرة الطويلة، وتدحضها دحضا.
1) لا يشارك الإخوان في ليبيا في العمل السياسي، وهم كجماعة خارج العملية السياسية، وقد تحولوا إلى جمعية مجتمع مدني تمارس جهدا دعويا محدودا، وتعاني نفس المشاكل التي تعانيها كل التشكيلات المدنية في ليبيا؛ بسبب حالة الضعف العامة، وانكفاء كل إنسان على تحصيل أسباب حياته اليومية.
2) ما يوجد في ليبيا، مما يمكن نسبته إلى المدرسة الوسطية في التيار الإسلامي، هو بعض قيادات حزب العدالة والبناء، الحزب الذي يراه باقي الإسلاميين بأنه حزب ميكافيلي، ويراه الإخوان الذين انفصلوا عنه أنه إلى العلمانية أقرب. هذا الحزب في نظري يمارس حقه في العمل السياسي ضمن المجموعة الوطنية، وقد كانت أدواره مشهودة في العملية السياسية، رغم أنه لم يتولوا دفة قيادتها في يوم من الأيام، ولكنه يشكل بحسه السياسي، وإيمانه بفكرة الدولة المدنية، وقدرته على ابتكار الحلول للمشاكل المطروحة، وديناميكيته في العمل، وقدرته على مخاطبة كل الأطراف المنخرطة في الشأن الليبي داخليا وخارجيا… بكل هذا يشكل الحزب قوة اقتراحية، وسندا لمن يسعون في الصالح العام من المسؤولين، ومن القوى السياسية الليبية. ولا يترددون في الصدع بكلمة الحق السياسية، وبالرؤية التي يرونها صوابا لرأب الصدع بين الليبيين، والإبقاء على ما يمكن من المسار الديمقراطي.
3) نعم كان حزب العدالة والبناء حجر عثرة في طريق كل من حاول بشكل كلي أو جزئي عسكرة الدولة، أو الانقلاب على أهداف ثورة السابع عشر من فبراير. كان عقبة في كل من فكر في إعادة النظام الاستبدادي أو جزء منه، ولم يهادنوا في ذلك حليفا سياسيا، ولا صديقا أيديولوجيا؛ لذلك تغيرت تحالفاتهم؛ لأن لها بوصلة واحدة هي المصلحة العامة، وسعي الليبيين للحرية والعدالة والعيش الكريم.
4) نعم، كان حزب العدالة والبناء شوكة في حلق كل من حاول المساس بأرزاق الليببين، أو سعى في نهب خيرات ليبيا لاتخاذها دولة بين أبناء مجموعة معينة، أو طبقة أو جهة أو عائلة؛ ولذلك نابذوه مهما كان سعيه للتواصل معهم، والتقرب منهم.
5) تغيرت تحالفات حزب العدالة والبناء خلال السنوات الست الماضية، ولكن بوصلة الوطن كانت هي المحدد. إن حزب العدالة والبناء وجد نفسه أحيانا وحينا يقول رأيا ويصدع بخطاب لا يوافقه فيه صديق مقرب، ولا عدو مباعد. ولكن أغلب الأصدقاء وجدوا أنهم كانوا على خطأ، وكانت رؤية العدالة والبناء صوابا، والمنصفون من الخصوم عبروا عن ذلك، ولكنّ للمغرضين قولا هم قائلوه لا محالة.
6) ما يمن به البعض على الإسلاميين من أنه يقبل بهم شريكا في الوطن، يشبه كثيرا منا بما لا يملكه الإنسان، فأبناء العدالة والبناء، الذين عرفتهم عندما كنت عضوا في الحزب قبل أن أتركه، ولدوا على هذه الأرض الليبية وأحبوها، ولبوا نداءها في كل وقت نادت فيه أبناءها المخلصين، وهذا شيء لا منة لأحد في الاعتراف به. قيم القبول بالرأي المخالف، والاعتراف بالتعددية، والدفاع عن حق الجميع في المشاركة، قيم يحملها الإنسان لنفسه، ولا يمنها على الآخرين. ومن تراجع عنها فذلك شيء يضره، ولو تضرر منه الآخرون فإن ذلك الضرر يكون مضاعفا، إذ هو “خزي” بالمعيار المدني، ونكوص بالمعيار الأخلاقي، وتناقض بمعيار المنطق!.
7) أن تدعو إلى قيم الليبرالية وتدافع عن الديمقراطية، ولا تقبل بنتائجها فذلك انفصام في الشخصية يجب عرض صاحبه على طبيب نفسي، قبل نقاشه فكريا، أو مجادلته فلسفيا. فلا معنى لإيمان بديمقراطية مشروطة بأن تأتي بفلان. والذين أيدوا الكرامة نكاية في خصومهم عليهم أن يتصالحوا مع ذواتهم، ويقولوا إنهم وضعوا غطاء على ضمائرهم حتى يحققوا بعض المكاسب الآنية من خدمة العسكر، ولكنهم لا يمكن أن يقولوا إنهم كانوا يريدون الديمقراطية، أو الدولة المدنية، فما كانوا فيه هو تبعية للدبابة والبندقية، وتعطيل لإرادة الناس… ورفض لمبدأ حق الناس في اختيار من تريد لقيادتها والقيام بشؤونها. هذا، ولا شيء آخر.
من وجد تناقضا بين ما يقوله حزب العدالة والبناء، وما يفعله، فليأت بالتناقض، وليقم عليه الدليل من المنطق، وساعتها يكون قد ألزمهم الحجة، وأقام عليهم البرهان، وأنا معهم في نصرة الحقيقة وردع الحزب حينها، ومن لم يجد إلا حزبا يمارس السياسة، ويقبل بأساليب العمل الديمقراطية، ويدعو لشيء ويعمل من أجل تحقيقه فليس له الحق في الانتقاص من ليبي أراد أن يعمل لوطنه بما تكفله القوانين والأعراف.

عن سالم محمد

شاهد أيضاً

من إيجابيات الزيارة

في خطوة جريئة قام رئيس المجلس الرئاسي الجديد محمد المنفي بزيارة إلى قائد عملية الكرامة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *