الأخبار
الرئيسية / مقالات الرأي / التسوية السياسية.. قراءة واقعية في المحاصصة والتفاهمات المبدئية

التسوية السياسية.. قراءة واقعية في المحاصصة والتفاهمات المبدئية

لا يكاد ينقطع حديث السياسة بخصوص التسوية، وما يسبقها من تطورات وتفاعلات ترسم ملامحها النهائية، ويمكن القول إن أكثر ما يشغل غالبية الفاعلين اليوم أو الطامحين إلى التأثير في المشهد السياسية هو التمثيل داخل لجنة الحوار السياسي التي ستُقِر التسوية بشكلها النهائي، وقد تلعب هذه اللجنة دوراً ضامناً لإنجاح مخرجاتها فيما بعد إذا نكص مجلس النواب عن الإيفاء بالاستحقاقات المترتبة عليه في إطار هذه التسوية.

البعثة الأممية التي تقودها ستيفاني ويليامز تسعى إلى وضع ترتيبات محكمة وحاسمة قبل انعقاد لجنة الحوار، وذلك لجَسر الهوة الواسعة بين مختلف الأطراف، ولعل التفاهمات التي تمّت في مونترو السويسرية وأبوزنيقة المغربية تأتي ضمن هذه الترتيبات، والتي رسمت ملامح واضحةً لشكل التسوية القادمة، وضيقت هامش المراوغة وتمطيط عملية التفاوض أمام المتحاورين الذين سيلتئم شملهم على الأرجح في جربة التونسية خلال أكتوبر الحالي أو نوفمبر المقبل.

الحديث عن التسوية لا يخلو من مخاوف وهواجس حقيقية تجعل نجاحه على المحك، ويؤكد أن خوض التسوية والمضي فيها مغامرة محفوفة بالمخاطر، غير أن اعتبارات كثيرة تجعل من التعاطي معها أمراً لا مناص منه، فالإرادة الدولية الدافعة بشكل كبير نحو التسوية تسعى لإعادة إيجاد سلطة جديدة يمكن الاعتماد عليها ودعمها في تحقيق حالة من الاستقرار، تتمكن خلالها الدول المعنية بليبيا من الوصول إلى صيغة توافق تضمن مصالحها، وهذه الإرادة ستلقى تجاوباً من الأطراف الداخلية المدرِكة لخطورة استمرار الانسداد السياسي والانقسام المؤسسي على مختلف المستويات.

تسعى مختلف الأطراف الليبية اليوم إلى أن يكون لها دور مؤثر في التسوية من خلال تمثيل يضمن لها ذلك، وواضح أن هناك نوعاً من النضج بعد تجربة الصخيرات جعل الجميع يستبعد خيار إقصاء نفسه وعدم المشاركة، فقطار التسوية سيمضي بمن صعده، وربما يدوس من يحاول اعتراضه، غير أن هذه الأطراف ترى في الترتيبات التي تسبق محادثات التسوية الرئيسية تقليصاً لدورها الذي يمكن أن تحققه ضمن لجنة الحوار السياسي، وإذا نظرنا بعين الإنصاف إلى هذا النهج الذي تعتمده البعثة فإننا سندرك مدى واقعيته، إذ الجلوس إلى طاولة المفاوضات دون وجود إطار واضح لها، ودون تحقيق تفاهمات مبدئية، سيجعل من عملية التفاوض عبثاً يسيطر عليه انهيار الثقة بين مختلف الأطراف، ولن ينتج ما يمكن تحقيقه.

وفيما يخص الأصوات التي تتعالى برفض المحاصصة في تولي المناصب السيادية، وتدعو إلى أن يكون توليها بناء على الكفاءة، فلا خلاف أن ذلك أمر لا يقبل التنازل عنه في الوضع السياسي المستقر والمرجعية الدستورية المتفق عليها ومؤسسات الدولة القوية، ولكن في الوضع القائم لا مفر من المحاصصة بين أطراف ليس لديها أي مرجعية سياسية تتفق عليها، والثقة بينها منهارة، ولعلّ المعايير التي توافق عليها مجلسي نواب طبرق والأعلى للدولة تخفف من تبعات هذه المحاصصة وتقلل من أضرارها، ومن أبرزها أنه لن يتولى هذه المناصب إلا ذوو الاختصاص والخبرة.

إن التسوية السياسية ببيئتها التي تتشكل فيها لن تكون مثاليةً أو مرضيةً لأي طرف، ولكن لديها فرص جيدة يمكن التمهيد عبرها إلى إجراء انتخابات وفق دستور يتوافق عليه الليبيون ويحتكمون إليه في العملية السياسية، وهذا مشروط بتركيز الأطراف المشاركة على خلق ضمانات داخل التسوية تحقق أهدافها وتحول دون عودة مشروع العسكرة والاستبداد من جديد.

عن أمين علي

شاهد أيضاً

ليبيا.. جديد التفاوض بين الأعلى للدولة وبرلمان طبرق

ما يزال موضوع المسارات التفاوضية القائمة اليوم مبهما ليس فقط لرجل الشارع بل وحتى لقطاع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *