الرئيسية / مقالات الرأي / دور النخبة المأزومة في الصراع الليبي

دور النخبة المأزومة في الصراع الليبي

يتفق الجميع في ليبيا على تردّي الوضع على الصعيد الوطني وخروج الصراع من دائرته المحلية، ووقوعه ضمن دوائر الصراع الدولي والإقليمي، التي أصبحت الفاعل الرئيسي فيه، وأصبحت الأطراف الليبية تلعب دوراً ثانوياً أو مكمّلاً، وفق التفاهمات، أو التطورات التي ترسمها تحرّكات الدول المتدخلة في ليبيا.

مناقشة أسباب التدخل وتحميل المسؤولية عنه لأحد الأطراف أمر ليس بالصعب، وكذلك ليس بالمُجدي في ظل واقع وظروف تجعل من هذا التدخل أمراً طبيعياً ومتوقعاً، فحالة الهشاشة التي أعقبت إسقاط نظام القذافي وغياب الخبرة السياسية لأربعة عقود، وصراع المحاور الذي تشهده المنطقة، وموقع ليبيا الإستراتيجي في سياق التغيرات الحاصلة إقليمياً، يجعل من التدخل غير مستغرب ونتيجة حتمية للعوامل القائمة.

وإذا كان التدخل واقعاً تشترك فيه مختلف الأطراف، وتكون أهم نتائجه تقويض السيادة التي تعتبر أهم سمات الوطنية، فإن بكاء الوطنية والتحسّر على إهدارها، وشتم السياسة ومكرها، واتهام المشتغلين فيها بشهوة السلطة وبيع الوطن والخيانة، هو أقرب السبل وأيسر الوسائل لادّعاء الوطنية، والتدثّر بعباءة النضال والتقلّد بأوسمة النزاهة والإخلاص، فإن وافق ذلك موقف معادٍ لإسقاط الدكتاتورية وإنهاء الاستبداد، فإن ادعاء الوطنية يُضاف إليه التباهي بالحكمةِ وبُعد النظر واستشراف المستقبل، ويبقى واقع الصراع كما هو دون أن تغير فيه هذه الادعاءات شيئاً.

وبما أن حديثنا عن النخبة، فينبغي الإشارة إلى أن هذا المصطلح مَرِن فضفاض، ولست هنا بصدد تحديده بشكل جامع مانع، وإنما أقصد به أولئك الذين يفترض أن يقع على عاتقهم الارتقاء بمستوى الوعي الجمعي، وقيادة الرأي العام في المجتمع ضمن إطار عام من المبادئ المتفق عليها، التي تحقق حالةً من الرقي المعرفي والأخلاقي.

وبرصد الخطاب الصادر عن هذه النخبة فيما يخص الصراع الليبي نجده يعاني من أزمة “العجز” عن القيام بمهمته في قيادة المجتمع والرقي به معرفياً وأخلاقياً، ويمكن أن نقسم هذه النخبة إلى قسمين:

– نخبة الديكور: وهي تلك الفئة التي تتخذ مما تسمّيه “فنوناً وآداباً” نوعاً من الاستعلاء المجتمعي، تنعزل به عن الواقع تعيش من خلاله حالة من الصراع الموهوم ضمن سرديات “الفنتازيا والهرطقات السوريالية” والأشباح التجريدية الملوّنة، ويمكن تلخيص دور هذه الفئة في كونها ديكوراً للمشهد الثقافي، تستمتع بــ”برستيج المثقف وإتيكيته”، ولا يمكن أن تغيّر من الواقع شيئاً.

– نخبة الإزعاج العقيم: وهي الفئة التي تتقن التبرّمَ من الواقع وتتفنّن في لعن السياسة والساسة، وتُجيد التغنّي بالوطنية، دون أن يكون لها دور فاعل في القيادة المجتمعية المُشار إليها آنفاً، بل تُعاني في واقع الحال من فوضى فكرية تؤكّد لمن يحاول البحث عن منطلقات هذه الفئة أنها ليس إلا مجموعة متشبّعة بالشعارات التي قد يكون بعضها متناقضاً ومتصادماً دون إدراك عميق لواقع مجتمعاتها وسبل إحداث تغيير فيه، وهذا ما يدفع كثيراً من روّاد هذه الفئة إلى رفع شعار “المصالحة” كأنجع الحلول للصراع، في تجاهل تام لدوافع الصراع ومحركاته، وجهل بآليات المصالح ووسائل إنجاحها.

إن إدراك واقع الصراع وتحديد المعايير الوضوعية في التعامل معه، بعيداً عن الطوباوية الزائفة هي الوسيلة الأهم في جعل هذا الصراع فرصة لإعادة بناء كيان هذا الوطن، وإذا كان تصارع الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية حول ليبيا أحدَ أهم أسباب استقلالها، فإن الصراع الدائر اليوم بسبب هشاشة الدولة وغياب المرجعية السياسية وتحوّلات المنطقة من شأنه أن يكون سبباً في أن تتاح الفرصة مرة أخرى لتعافي الوطن إذا أحُسِن استثمارُها.

عن ليلى أحمد

شاهد أيضاً

لماذا ترفض اليونان خفض التصعيد والتفاوض مع تركيا؟

أعلن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ يوم الخميس الماضي أنّه وبعد محادثاته مع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *