الرئيسية / مقالات الرأي / هل تترك موسكو السيسي وحيداً في ليبيا؟

هل تترك موسكو السيسي وحيداً في ليبيا؟

يجنح الصراع في ليبيا صوب المزيد من التدويل رويداً رويداً.

فبعد تركيا، تقول مصر أنها مستعدة للمشاركة مباشرة في الحرب الدائرة بين طرفين ليبيين، أحدهم مُعترف به دولياً وهو حكومة “الوفاق الوطني” الليبية المدعوم من أنقرة، فيما الثاني هو قوات “الجيش الوطني” الليبي الذي يرأسه الجنرال خليفة حفتر والمغطى من مصر والإمارات العربية والمملكة السعودية وروسيا وبعض الدول الأوروبية.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي كشف قبل نحو شهر، عزمه مساعدة حفتر في حال قررت قوات “حكومة الوفاق”، شن هجوم على مدينتي سرت والجفرة، وقال خلال رحلة تفقدية لوحدات الجيش المصري المتمركزة عند الحدود: “إن القاهرة يمكن أن تتدخل في ليبيا، وسوف تفعل ذلك بالتأكيد إذا دعت الحاجة”، كاشفاً يومها “إذا كان البعض يعتقد البعض أنّ باستطاعته تجاوز خط سرت أو الجفرة، فهذا بالنسبة لنا خط أحمر”.

فما الذي يحدث في ليبيا اليوم، ولماذا هذا “الخط الأحمر” الذي يبعد مئات الكيلومترات عن حدوده، مهم بالنسبة لمصر؟ وما مدى احتمال تدخل القاهرة الحقيقي في المواجهة الليبية، وماذا ستكون عواقبه على الأمن الإقليمي وأين روسيا من هذا كله؟ قبل التهديد بخوض الحرب، قدم السيسي مبادرة لوقف إطلاق النار وتجديد الحوار في ليبيا، وحصل على موافقة الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية من أجل ذلك، لكن رئيس وزراء الحكومة الليبية فايز السراج وتركيا رفضا المبادرة، وذلك بحسب مصادر مطلعة على مركز القرار في أنقرة، يعود لاعتبارات تخصّ “حرصهما على عدم بقاء هذه المناطق تحت سيطرة حفتر، ومن أجل كبح قدرته على تخريب أي مبادرة سياسية مستقبلية”.

ولهذا تحاول حكومة السراج وتركيا “حرمانه من هذه المناطق بغية قطع الطريق أمام أي محاول ابتزاز”. هذه المصادر تقول إنّ “وقف إطلاق النار سيكون متعذراً من دون استعادة سرت والجفرة”، معتبرة أنّ الخط الاحمر الذي رسمه السيسي في سرت والجفرة هو “خط ترسمه روسيا وليس مصر، فيما تسعى أنقرة لإيجاد حل لهذه المعضلة”، خصوصاً أن روسيا “ليست متضررة”، لكون نفوذها ودورها السياسي والعسكري هناك “مموّل من دولتي الامارات والسعودية”.

وطوال النزاع المسلح الذي اشتعل في العام 2014، تعاطفت مصر مع جماعة حفتر، لكنّها لم تقدم مساعدة عسكرية له، إلاّ أنّ الأمر تبدّل في الآونة الأخيرة، وبات خيار الحرب مفتوحة على إثر خطة “الطريق إلى النصر” التي نفذتها قوات “الأمن الوطني”، حيث تقدمت وحدات فايز السراج باتجاه الشرق، وهذا ما دفع حفتر إلى التراجع صوب حدود مصر.

سرّ نجاح السراج يكمن في الدعم الشامل الذي قدمته أنقرة له، ويشمل المال والأسلحة والمعدات العسكرية والمستشارين العسكريين، بالإضافة الى الدعاية القوية في الإعلام والعمل النشط للدبلوماسيين الأتراك، ويضاف إلى ذلك كله دعم السراج بمقاتلين سوريين. محور “سرت – الجفرة” يحظى بأهمية استراتيجية بالنسبة لمصر.

أهمية سرت أنها تبعد نحو ألف كيلومتر عن الحدود المصرية وتتوسط المسافة بين طرابلس ومدينة بنغازي، وبالتالي فإن السيطرة عليها تجعل الطريق مفتوحاً أمام إحكام القبضة على الموانئ النفطية في منطقة “الهلال النفطي” شرقي ليبيا، والتي تضم أكبر مخزون للنفط في البلاد.

أما الجفرة، فهي محور يربط شرق وغرب وجنوب ليبيا، ولن ترضى مصر بسيطرة الأتراك وحلفائهم عليها، لأنّ ذلك يعني سيطرتهم شبه الكاملة على نصف ليبيا.

كما أنّ الجفرة أقرب المناطق الجنوبية لمصر، وهذا سيمثل تهديداً للعمق المصري في حدوده الغربية والتي تمتد نحو 1200 كيلومتر، ناهيك عن وجود قاعدة جوية عسكرية في الصحراء جنوب سرت.

قبل أسابيع، رداً على مبادرة القاهرة التي أطلقها السيسي، قال قيادي ليبي موالٍ لأنقرة في حديث لوكالة “بلومبرغ” إن المفاوضات مع حفتر وصالح ستبدأ لكن ليس قبل “السيطرة على سرت والجفرة”، وهذا يعني أنّ تحقيق “الخط الأحمر” الذي رسمه السيسي هو بالتحديد الهدف الرئيسي لعملية “المسار إلى النصر”، وبالتالي فإن السؤال المطروح هو: ما هي قدرة مصر على خوض الحرب؟ نظراً لقرب مصر الجغرافي من ليبيا، ونسبة لعدد الأطراف المتحاربة في ليبيا الذي لا يتجاوز 10-12 ألف جندي، فإن فرقة مصرية واحدة (من أصل 12) ستكون كافية لتغيير الوضع بشكل جذري، لكنّ ذلك لن يكون سهلاً على الإطلاق. لأنّ هذه المغامرة ستؤدي إلى خطوات انتقامية من جانب تركيا التي يتفوّق جيشها على المصريين من حيث العدد ونوعية الأسلحة، وكذلك من حيث الخبرة القتالية.

سوف يؤدي الصدام بين مصر وتركيا إلى اضطرابات في المنطقة وستؤثر نتائجها على العالم كله. وعليه، يبدو من غير المرجح أبداً أن تشارك مصر في القتال مباشرة، وما الصاخب الذي يُطلق من القاهرة إلاّ محاولة لإسماع اللاعبين الدوليين الكبار ولفت انتباههم إلى التطورات الميدانية الجديدة.

صحيح أنّ مصر حصلت على دعم من السعودية والإمارات، لكنهما غير قادرتين على العمل وسيطاً في الحوار الليبي وتحقيق تنازلات من تركيا التي يبدو موقفها حاسماً بالنسبة إلى السراج.

يظنّ السيسي أن الولايات المتحدة وروسيا وكذلك الاتحاد الأوروبي هي دول مناسبة لدور كهذا، لكن لا واشنطن ولا بروكسل تستطيعان التباهي بعلاقات جيدة مع الرئيس التركي أردوغان في هذه الظروف، وذلك على العكس من موسكو التي تجمعها بأنقرة علاقة جيدة نوعاً ما، وأنشأتا في السنوات الأخيرة حواراً مستقراً، وإن لم يكن خالياً من المشاكل. كلا طرفي الصراع (في الواقع هناك المزيد) يعلنون باستمرار الحاجة إلى المصالحة، لكنهم في الوقت نفسه يحاولون باستمرار تحسين مواقفهم في المفاوضات المستقبلية في الميدان، ولسوء حظ الليبيين فإن النفط الموجود في بلادهم بهذه الكثرة، هو سبب إضافي لإطالة أمد الصراع.

فلكي يتوقف الاقتتال على كل طرف أن يتخلى عن جزء من مصالحه وأن يقدم تنازلات ليتمكن من المساومة في مكان آخر، وإلاّ فإن الحرب ستستمر، ويمكن أن تستغرق وقتًا طويلاً. اليوم يُحكى عن اتفاق الدولي بين روسيا والاطراف الدولية الأخرى قد يبصر النور.

اتفاق يميل إلى أن تكون سرت “مدينة محايدة” لا وجود لقوات الطرفين فيها. وقد تساعد روسيا السيسي المتوجس في انتزاع ضمانات دولية (تركية تحديداً) من أجل بقاء حليفه حفتر في الجفرة، في مقابل أن يضغط عليه للانسحاب من سرت فقط، ولا يُستبعد أن يشمل الاتفاق بحسب مصادر متابعة، “إعادة فتح تدفق الحقول النفطية على أن تتسلّم قوات حرس خاصة حماية المنشآت النفطية”.

للكاتب اللبناني عماد شدياق.

نقلاً عن موقع الجزيرة.

عن إبراهيم

شاهد أيضاً

الترك في طرابلس…حديث في التاريخ 2/1 أشرعة “بارباروسا” أمام شاطئ تاجوراء

                 “الآتي أشبه بالماضي كالماء من الماء“ ابن خلدون يحتدم الجدل حول أسباب قدوم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *