الأخبار
الرئيسية / مقالات الرأي / ليبيا وأزمة السياسة الخارجية المصرية

ليبيا وأزمة السياسة الخارجية المصرية

يكشف تصريح الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في 20 يونيوالماضي، بشأن “مشروعية” تدخل بلاده في ليبيا، أزمةَ السياسة المصرية، ليس على مستوى ضعف خطابها الدبلوماسي فحسب، وإنما في غياب “المشروع الإقليمي” وضبابية “التوجه”، وانعدام “الاستراتيجية”، وهيمنة ردود الأفعال بلا “مبادراتٍ” حقيقية، ما يؤدّي، في المحصلة، إلى ارتباك التحالفات الخارجية وتضارب السياسات، على الصعد العربية والأفريقية والإقليمية والدولية.

وعلى الرغم من خطورة تصريح السيسي، وتلويحه بورقة تسليح قبائل الشرق الليبي، في إطار ما اعتبره “خطاً أحمر”، يتمثل في “خط سرت – الجفرة”، فإن تنفيذ هذا التهديد يبقى محكوماً بتوفر “قبول ضمني”، من اللاعبين الدوليين الكبار.

وسوف يهمّش “تدويل/ أقلمة” الصراع على ليبيا، تدريجياً، اللاعبين المحليين والعرب. ولذلك إذا حدث تدخلٌ مصري “محدود”، واحتماله من ضعيف إلى متوسط، فربما يكون دوراً بالوكالة (عن روسيا أو فرنسا)، لأن مصلحة القاهرة الحقيقية ليست في السير خلف السياسات الدولية لتقسيم ليبيا، ناهيك عن تخريب مجتمعها والتلاعب الخطير بالعامل القَبلي، ما قد يفتح أبواب فوضى أمنية على مصر من حدودها الغربية، التي لم تشكّل خطراً وجودياً عليها، مقارنةً بالشمال الشرقي، حيث دولة الاحتلال الإسرائيلي ومشروعها التوسعي الإقليمي، أو مقارنةً بالجنوب، حيث منابع نهر النيل ومجراه، والخلاف المتصاعد مع إثيوبيا بشأن سد النهضة وتوقيت ملئه، الذي ينتقل من دون حلٍ واضح، من أروقة المفاوضات الثلاثية بين القاهرة وأديس أبابا والخرطوم، إلى مجلس الأمن الدولي، إلى الاتحاد الأفريقي.

وفي هذا الإطار، ثمة ثلاث ملاحظات، تكشف أزمة السياسة الخارجية المصرية عموماً، وتجاه ليبيا تحديداً. لا يزال في وسع القاهرة، إن تعاونت مع الجزائر والرباط وتونس، أن تستعيد شيئاً من التأثير العربي/ الأفريقي على الأزمة الليبية أولها غياب رؤية استراتيجية/ فلسفة متماسكة، واضطراب “توجّه السياسة الخارجية” إجمالاً، ما يعني ارتباكاً واضحاً في رؤية مصر لحلفائها وأصدقائها وأعدائها، وضعف القدرة على فهم متغيرات النظاميْن، الدولي والإقليمي، خصوصاً بعد أربعة أحداث مفصلية: الموجة الأولى من الثورات العربية 2011، انقلاب مصر 3 يوليو 2013، الموجة الثانية من الثورات العربية 2019 (السودان، الجزائر، العراق، لبنان)، تداعيات جائحة كورونا وانكماش الاقتصاد العالمي.

ويبدو أن توطيد علاقة القاهرة بسياسات المحور الأميركي الإسرائيلي، والاعتماد على المساعدات المالية السعودية والإماراتية، بالتوازي مع إهمال الدائرتين، الأفريقية والعربية، اللتين يرتبط بهما الأمن المائي المصري ومصالح العاملين المصريين في ليبيا والخليج، قد أدّى إلى تراجع صورة مصر وتأثيرها في القضايا العربية (فلسطين، العراق، سورية، لبنان، اليمن، ليبيا)، ناهيك عن غضب بعض الدول الأفريقية من هذا التوجّه المصري، الذي بدأه فعلياً الرئيس أنور السادات، منذ توقيع اتفاقات كامب ديفيد عام 1978.

وربما يمكن تفسير سلوك إثيوبيا الحالي، في موضوع سد النهضة، باستنكاف القاهرة عن علاقاتها الأفريقية، لمصلحة علاقاتها الدولية، ما أفضى إلى تراجع مكانة مصر الأفريقية، مقابل تغلغل إسرائيلي في القارة السمراء، مع بروز منافسين أقوياء لمصر، (إثيوبيا، وجنوب أفريقيا، ونيجيريا، والجزائر). القاهرة تتجاهل أن هناك “تقارباً” أميركياً تركياً إيطالياً يتوافق على دعم حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج، أقله في هذه المرحلة وفي موضوع ليبيا، يظهر ضياع المصالح المصرية، بسبب الاصطفاف وراء المشروع الروسي/ الفرنسي/ الإماراتي، لدعم معسكر الشرق الليبي عموماً، واللواء المتقاعد خليفة حفتر خصوصاً، على الرغم من هزائمه المتوالية.

ويبدو أن القاهرة تتجاهل أن هناك “تقارباً” أميركياً تركياً إيطالياً (يؤثّر بالتأكيد على سياسة حلف الناتو تجاه ليبيا)، يتوافق على دعم حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج، أقله في هذه المرحلة، ما يجعل من الصعب أن تميل الكفّة ناحية حلفاء مصر.

تتعلق الملاحظة الثانية باختلال الأولويات في سياسة مصر الخارجية، واختزال مفهوم “الأمن القومي” إلى حدودٍ خطرة، سواء عبر تصريحات “مسافة السكة”، أم توظيف المؤسسات الإقليمية والدولية، لترويج السردية المصرية، بعد انقلاب 2013.

وعلى الرغم من تركيز نظام السيسي على “الانخراط” في توسيع نطاق السياسات الدولية/ الإقليمية لـ”مكافحة الإرهاب”، وتوظيفها لإغلاق باب التغيير السلمي/ الديمقراطي، وقمع أية توجهات معارضة لحكمه، فإنه لم يحرز نجاحاً يُذكر في سيناء، وفي القاهرة، وفي الصحراء الغربية.

ناهيك عن تخليق بيئة سياسية واقتصادية واجتماعية، أسوأ بكثير مما كانت عليه مصر قبل ثورتها عام 2011. وهنا يبرز تداخل البعديْن، الداخلي والخارجي، في سياسة مصر الخارجية التي باتت تصدر “القمع والأمننة” إلى الخارج، بالتزامن مع إضعاف الداخل المصري، في ظل جمهورية “الخوف والجباية”. بالتوازي مع تآكل أغلب مقومات الدور المصري، عربياً وإقليمياً؛ إذ أصبحت السياسة الخارجية والتحالفات والعلاقات تدار بـ”القطعة”، لكي لا نقول بـ”المكايدة السياسية” مع تركيا خصوصاً، التي يراد محاصرة دورها، عبر تحالفاتٍ مصرية غير مدروسة استراتيجياً، مع إسرائيل واليونان وقبرص، في موضوع غاز شرق المتوسط.

وقد يبدو غريباً تركيز مصر على تصاعد الدور التركي في ليبيا وسورية والمتوسط، مقابل غياب موقفها من صفقة القرن الإسرائيلية/ الأميركية، ناهيك عن تجاهل نظام السيسي تداعيات المشروع الإقليمي لطهران في العراق وسورية ولبنان واليمن.

أم أن المشروعين الإسرائيلي والإيراني لا يشكلان خطراً على “الأمن القومي المصري”، بمقاييس النظام؟ قد يبدو غريباً تركيز مصر على تصاعد الدور التركي في ليبيا وسورية والمتوسط، مقابل غياب موقفها من صفقة القرن تتعلق الملاحظة الثالثة بتضارب استخدام أدوات تنفيذ السياسة الخارجية (في ملفات ليبيا، سد النهضة، تداعيات جائحة كورونا .. إلخ)، مع تضاؤل أهمية الدبلوماسية، في مقابل تصاعد “عسكرة” السياسة الخارجية.

فلماذا تريد مصر، في موضوع السد الإثيوبي، “التدويل” والذهاب إلى مجلس الأمن، وتدخل الاتحاد الأفريقي، لكنها تتجاوز كل هذه المؤسسات في الأزمة الليبية؟ وهل يمكن أن تُدار سياسة مصر بـ”القطعة”؟ وبعيداً عن التبرير الإعلامي لسياسات السيسي، كيف يمكن تفسير تحول موقفه تجاه ليبيا، من تقديم “مبادرة” سياسية (إعلان القاهرة 6 يونيو تقضي بوقف إطلاق النار والعودة إلى المسار السياسي، إلى التهديد ورسم “الخطوط الحمراء”، بعد أسبوعين لا أكثر؟

وختاماً، تعاني السياسة الخارجية المصرية أزمةً متعدّدة الأبعاد والجوانب، وتحتاج مراجعةً جذرية لتوجهاتها وتحالفاتها وقراراتها وأدوات تنفيذها، وهذا يطرح أسئلةً جوهريةً من قبيل: أي فائدة ستعود على مصر من انخراطها في السياسات الدولية (خصوصاً الروسية والفرنسية)، الرامية إلى إنقاذ محور الثورات المضادة من أزماته المتكرّرة، ومنع أي ثورة عربية من التحول إلى تجربةٍ ديمقراطية ناحجة عبر بناء المؤسسات والخبرات؟ وماذا ستجني القاهرة، على المدى البعيد، من منع الشعوب العربية من السيطرة على مقدّراتها وثرواتها، وأية مصلحةٍ في إفشال الثورات العربية، وتأبيد واقع “التبعية العربية” للخارج؟ وإلى أي مدىً يمكن للنظام المصري التمادي، في التنكر لحقائق الجغرافيا والتاريخ؟

باختصار، ليس على مصر استنساخ ما تفعله الإمارات والسعودية في اليمن، لأن تفكيك/ تقسيم ليبيا، أو تأجيج صراعٍ جهوي/ مناطقي فيها، أو العبث بورقة تسليح القبائل، سترتد آثاره الوخيمة على حدود مصر الغربية، كما أن خبرة العلاقات العربية العربية تقول إن التدخل بأدوات إكراهية يفشل غالبا، في المديين المتوسط والبعيد، في تحقيق أهداف الدولة المتدخلة، بغض النظر عن تحقيق مكاسب آنية/ إعلامية. ولئن كان صحيحاً أن الأزمة الليبية تحوّلت إلى “مسألة دولية”، وأن سيناريو تقسيم ليبيا بسبب نفطها ليس مستبعدا، لكنه ليس حتميا أيضاً، فلا يزال في وسع القاهرة، إن تعاونت مع الجزائر والرباط وتونس، أن تستعيد شيئاً من التأثير العربي/ الأفريقي على هذه الأزمة، فهل ستفعلها مصر؟

أمجد أحمد جبريل، كاتب مصري

نقلاً عن موقع العربي الجديد

عن إبراهيم

شاهد أيضاً

الليبرالية العربية بين الدكتاتور المُنقلِب والرئيس المُنتخَب

لم تعُد الليبرالية اليوم تُقدّم على أنها نموذج لنظام سياسي واقتصادي منافس لأنظمة أخرى مخالفة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *