الرئيسية / مقالات الرأي / الموقف الجزائري.. من الحياد إلى التخبّط

الموقف الجزائري.. من الحياد إلى التخبّط

ثبات الموقف الجزائري من الأزمة الليبية منذ 2014، والذي تمثّل في عدم التدخّل أو الانحياز لطرف على حساب الآخر، كان رغم سلبيّته عامل اتّزان فيما يخصّ دول الجوار الليبي، حيث مثّلت الجزائر الدولة ذات الثقل الأكبر القادر على مجابهة الدعم المصري غير المحدود لـخليفة حفتر، حيث سعت مصر في عديد المرّات إلى استخدام الاجتماع الدوري الذي يعقده وزراء خارجية الجوار الليبي من أجل تمرير بعض المقترحات، غير أن الموقف الجزائري الملتزم بالحياد وعدم التدخّل حال دائماً دون ذلك، والذي جعل بيان هذه الاجتماعات مقتصراً على التأكيد بأن الحل للأزمة الليبية لن يكون إلا سياسيّاً وأن التدخلات الخارجية مرفوضة، دون تقديم أي خطوات عملية في هذا الصدد.

شنّ خليفة حفتر هجومه على طرابلس في أبريل الماضي، والجزائر تشهد حراكاً شعبياً واسعاً يسعى إلى تغيير المنظومة السياسية ويتطلع إلى نظام ديمقراطي حقيقي يليق بكفاح الشعب الجزائري ونضاله الطويل، وبرغم حالة الاضطراب والارتباك التي شهدته الدوائر السياسية في الجزائر بسبب حراك التغيير، فإنّ التصريحات الجزائرية استمرّت في موقفها الثابت من عدم التدخّل مع مؤشرات مطمئنة بأنها ضد الحلّ العسكري وصرّح وزير الخارجية وقتها بأن الجزائر لن تقبل بأن تكون العاصمة “طرابلس” تحت القصف.

الموقف الجزائري الذي لم يتعدَّ التصريحات كان مقبولاً ومرحّباً به عند الليبيين الذي يجابهون المشروع العسكري الذي تغذّيه وترعاه دول محور الاستبداد العربي، وكان العذر المُقام للجزائر هو ما تمرّ به من حراك داخلي يجعلها مشغولةً عن المساهمة بشكل فعّال في القضايا الإقليمية.

بوصول الحراك الجزائري إلى مرحلة الانتخابات وانتخاب رئيس جديد، بدا واضحاً وجود رغبة جزائرية للاضطلاع بدور أكبر في حل الأزمة الليبية كما جاء في الخطاب الأول للرئيس الجزائري عبدالمجيد تبّون، والذي سرعان ما تُرجِم بدعوة المجلس الرئاسي إلى زيارة الجزائر، حيث صرّح خلالها “تبّون” بأن طرابلس بالنسبة للجزائر خط أحمر لا يمكن السماح بتجاوزه، وهو ما دعا إلى حالة من الارتياح بانضمام الجزائر إلى تكتّل دعم الشرعية ومساندة الشعب الليبي في تصديه للمشروع العسكري، وهو ما اعتبِر انسجاماً مع الحالة الجديدة التي تعيشها الجزائر بفضل حراكها الشعبي نحو التغيير.

غير أن الموقف الجزائري منذ اجتماع برلين بدأ يدخل في حالة من الارتجالية غير المفهومة في تعاطيه مع الأزمة الليبية، حيث صرّح الرئيس الجزائري عن استعداد بلاده لاستضافة حوار ليبي ليبي ولعب دور الوساطة بين أطراف الصراع وكأنها تريد استغلال غياب المملكة المغربية التي استضافت الحوار السياسي في الصخيرات، وسرعان ما انكشفت سطحية التعامل الجزائري مع الأزمة الليبية، حيث دعت الجزائر في اجتماع دول الجوار الليبي وزير خارجية “الثنيّ”، وهو ما دعا حكومة الوفاق إلى مقاطعة هذا الاجتماع مما اضطر الجزائر إلى إلغاء دعوة وزير خارجية “الثني”، ولم يخرج الاجتماع بجديد.

وفي إصرار على نفس النهج المتخبّط زار وزير الخارجية الجزائري “صبري بوقادوم” بنغازي والتقى برئيس الحكومة الموازية عبد الله الثني، وبقائد معسكر الرجمة خليفة حفتر، محاولاً إقناع الأطراف بالانخراط في حوار ليبي ليبي بعيداً عن التدخلات الخارجية.

اللافت في الموقف الجزائري إصراره على تجاهل حقيقة الأزمة الليبية، حيث يرفض التعامل معه على أنّها امتداد لمشروع استبدادي في المنطقة يحاول الهيمنة على شعوبها من خلال تمكين دكتاتوريات تدور في فلك رعاة هذا المشروع وتأتمر بأمره وترتهن قراره.

 وما يجعل التحرّكات الجزائرية غير ذات معنى وفاقدة لأي تأثير عدم امتلاك الجزائر لأي أدوات سياسية تكسبها ثِقلاً في المعادلة الليبية، فالأزمة في ليبيا ليست أزمة وساطة بين الأطراف كما تريد الجزائر تصورها، وتريد أن تلعب بعد ذلك دور الوسيط النزيه، بل الأزمة أعمق من ذلك بكثير، وأصعب عقباتها خلق توافق بين الدول المعنية بالأزمة الليبية وهو ما لا تملك الجزائر المقدرة على تحقيقه.

الخطوة التي قامت بها الجزائر من خلال زيارة بنغازي والالتقاء بالحكومة الموازية يمكن اعتباره تجاوزاً لقرارات مجلس الأمن وتعامل مع طرف غير شرعي، كما أنه أخرج الجزائر من حالة الحياد إلى مرحلة من التخبّط تجعلها طرفاً غير مقبول، وفّر لكيان غير شرعي مجالاً للتحرّك لا ينبغي له.

وكان المأمول من الجزائر وهي التي تشهد حراكاً يتطلّع للحرية والديمقراطية أن تكون مواقفها الرسمية أكثر انسجاماً مع هذا الحراك، خاصةً وأنّها ليست في منأىً عن مكائد محور الاستبداد العربي، وقد ظهرت أولى بوادره بإنشاء الإمارات قاعدة عسكرية جنوب موريتانيا قريباً من الحدود الجزائرية، ولعلّ الفشل شبه المؤكد لهذا التحرّك الجزائري يكون سبباً لصحوة الدبلوماسية الجزائرية وإعادة تقييم تعاطيها مع الأزمة الليبية.

عن عادل المبروك

شاهد أيضاً

الرئاسي .. حضور الشرعية وغياب الفعل

من خلال مسيرة المجلس الرئاسي التي تجاوزت الخمس سنوات والإخفاقات التي ارتبطت بأدائه وعجزه عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *