الرئيسية / مقالات الرأي / ليبيا وجاهزية الجنود الأتراك

ليبيا وجاهزية الجنود الأتراك

قال مبعوث الرئيس التركي إلى ليبيا أمر الله إيشلر: “إن الجنود الأتراك سيكونون جاهزين للوقوف إلى جانب الديمقراطية والإرادة الشعبية في وجه من يريد إنشاء ديكتاتورية عسكرية في ليبيا”.

تصريحات إيشلر جاءت بعد مرور أقل من 48 ساعة على تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، التي قال فيها: “إن تركيا مستعدة لإرسال قوات عسكرية إلى ليبيا إذا ما تلقت طلبا من الحكومة الليبية المعترف بها دوليا”؛ الطلب الذي بات ممكنا بعد توقيع الاتفاقية العسكرية بين البلدين في إسطنبول بحضور رئيس الوزراء الليبي فايز السراج والرئيس التركي أردوغان بتاريخ 28 تشرين ثاني (نوفمبر) الماضي.

 تركيا لا تحتاج إلى إذن دولي للتدخل في ليبيا

تركيا بحسب الاتفاق لا تحتاج إلى إذن من أي طرف دولي بما فيها مجلس الأمن والأمم المتحدة للتدخل في ليبيا إذ يكفي أن توجه حكومة الوفاق طلبا مباشرا للحكومة التركية لتبدأ تركيا بإرسال قواتها إلى الأراضي الليبية دعما لحكومة الوفاق الشرعية؛ خطوة لن تواجه الكثير من العوائق اللوجستية فتركيا حاضرة عبر الاستشارات العسكرية والأمنية.

التحرك التركي لا يستند فقط إلى واقع قانوني بل وإلى واقع ميداني محفز للتحرك التركي؛ فصحيفة (ذا ريببليكا) الإيطالية (الجمهورية) حذرت قبل أيام من هجوم شامل لقوات الجنرال حفتر يؤدي إلى فوضى أمنية في العاصمة طرابلس؛ التحذير الذي نقلته الصحيفة على لسان ضابط استخبارات إيطالي كشف عن خطة طوارئ لإجلاء حكومة الوفاق عن العاصمة طرابلس في حال تعرضها للخطر .

التحذيرات والتسريبات الإيطالية اتسع نطاقها بين تأكيد ونفي من عدة مصادر؛ فالممثل الأعلى للأمن والسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل نفى تلقي الاتحاد أي إشارات عن إمكانية سقوط طرابلس، إلا أنه حذر في الوقت ذاته في تصريح لوكالة آكي الإيطالية “أن اندلاع حرب شوارع في المدينة سيكون له آثار سيئة على المدنيين البالغ تعدادهم مليوني نسمة”؛ تحذير يعكس هاجسا أوروبيا من موجة لجوء كبرى خصوصا وأن هناك 100 ألف لاجئ ليبي على الحدود التونسية، وهي مسألة تؤرق الاتحاد الأوروبي وتدفعه إلى إطلاق تحذيرات ورسم سيناريوهات كارثية في ليبيا والبحر المتوسط؛ لتبدو تركيا في خضم هذا الجدل وتلك التسريبات الطرف الأكثر مبادرة ومسارعة للتعامل مع الواقع المتدهور والتهديدات المتعاظمة.

     التحركات التركية والتصريحات الاخيرة لن تمر مرور الكرام، إذ سيسير بالتوازي معها تحركات ديبلوماسية وسياسية وعسكرية مضادة للجهود التركية،

الهواجس بإمكانية تدهور الأوضاع الأمنية في ليبيا لم تقتصر على الدول الأوروبية إذ سبقتها الولايات المتحدة الأمريكية بعد أنباء عن توسع نشاط الشركات الأمنية الروسية وعلى رأسها (شركة فاغنر) ما أثار قلق القادة العسكريين الأمريكيين في إفريقيا وعلى رأسهم الجنرال ستيفن تاونسند قائد العمليات العسكرية الأمريكية في إفريقيا (الأفريكوم) بعد إسقاط طائرتي (درون) أمريكية في سماء العاصمة طرابلس من قبل المتعاقدين العسكرين الروس؛ فالجنرال الأمريكي أشار إلى انعدام التنسيق مع المتعاقدين الروس إلى جانب رفضهم تسليم حطام الطائرات الأمريكية.

تصريحات الجنرال تاونسند جاءت بعد فرض الكونغرس الأمريكي المزيد من العقوبات على روسيا في أعقاب افتضاح أمر الشركات الأمينة الروسية وعلى راسها شركة “فاغنر” التي بلغ عدد مقاتليها من الروس ما يقارب الـ 1400 جندي يشغل بعضهم منظومة الدفاع الجوي روسية الصنع التي أسقطت بدورها طائرات أمريكية بدون طيار؛ ووفقا لموقف الكونغرس وتصريحات قائد “الأفريكوم” فإن المخاطر المحيطة بالعاصمة الليبية التي أشارت إليها صحيفة “ريببلكا” الإيطالية تتعاظم بشكل كبير بما يسمح ويبرر لحكومة الوفاق طلب المساعدة التركية؛ فالتسريبات والتصريحات الصادرة عن مسؤولين في الولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا تحذر من خطة يعدها خبراء روس لشن هجوم على العاصمة طرابلس مستبقا مؤتمر برلين المتعثر.

مبررات التدخل تتزايد

المبررات للتدخل التركي وتفعيل الاتفاق العسكري التركي الليبي تتراكم يوما بعد يوم ما يعني أن التصريحات التي أطلقها المبعوث التركي إيشلر ومن قبله الرئيس التركي من الممكن أن تتحول إلى حقيقة خلال أسابيع قليلة وبمباركة أمريكية وإيطالية؛ فتركيا الطرف الذي وقع اتفاقا عسكريا مع حكومة الوفاق تعد الأكثر حضورا في ليبيا والأقل حساسية للتعامل مع الوجود الروسي، فتركيا تملك خبرات كبيرة في التعامل مع النفوذ الروسي في سوريا فضلا عن أن القنوات الدبلوماسية مفتوحة وقوية؛ فالمتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف أعلن الاثنين 10 كانون أول (ديسمبر) الحالي عن الإعداد لمحادثة هاتفية في الأيام المقبلة بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان؛ لمناقشة الملف الليبي.

التحركات التركية والتصريحات الأخيرة لن تمر مرور الكرام، إذ سيسير بالتوازي معها تحركات ديبلوماسية وسياسية وعسكرية مضادة للجهود التركية، فقوات الجنرال خليفة حفتر دفعت باتجاه الإعلان عن منطقة حظر جوي على لسان اللواء أحمد المسماري الناطق باسم قوات الجنرال المتقاعد في حين أعلن اللواء فرج المهدوي، رئيس أركان القوات البحرية التابعة لما يسمى بـ “الجيش الليبي” بقيادة المشير خليفة حفتر، في مقابلة مع قناة تلفزيون “ألفا” اليونانية، تلقيه أوامر بإغراق أي سفينة تركية تقترب من المنطقة، منتقدا في الوقت ذاته الاتفاق البحري بين أنقرة وحكومة الوحدة الوطنية الليبية المتمركزة في طرابلس.. تحركات لن توقف تركيا التي باتت تتحرك في بيئة أوروبية وأمريكية مستاءة من حالة التدهور الأمني في ليبيا فضلا عن قدرة تركيا على تنسيق عملياتها مع الجانب الروسي، وهي الميزة التي تفتقدها القوات الأمريكية والإيطالية بل والفرنسية .

ختاما: القاطرة التركية أطلقت صافرتها في ليبيا وعملية التفاوض بدأت فعليا مع الفاعلين الكبار لترتيب الأوضاع الأمنية والسياسية تمهيدا لتحرك تركي واسع بغطاء من حكومة الوفاق الليبية الشرعية وبمباركة قوى أوروبية إلى جانب واشنطن؛ ومعززا بقنوات دبلوماسية روسية فعالة؛ مسارا من الممكن أن يطلق عملية سياسية جديدة فاعلة برعاية تركية روسية أمريكية أوروبية؛ مدفوعا بجاهزية تركية وروح مبادرة عالية تفتقدها الولايات المتحدة بل ودول الاتحاد الأوروبي في المرحلة الحالية.

الكاتب الأردني “حازم عياد”

المصدر : موقع عربي 21

عن Journalist

شاهد أيضاً

تركيا مفتاح السلام

مؤتمر برلين الذي جرى بالأمس بمبادرة من ألمانيا، من أجل وقف إطلاق النار في ليبيا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *