الرئيسية / مقالات الرأي / تفاهمٌ استفزّ محور الاستبداد العربي

تفاهمٌ استفزّ محور الاستبداد العربي

التقارب الليبي التركي الذي تمثل في توقيع مذكرتي تفاهم بخصوص الدفاع المشترك والمنطقة البحرية الاقتصادية لكل منهما كان بمثابة الهزّة التي قشعت الغبار عن حقيقة الكثير من المواقف الدولية والإقليمية، واستفزّت بعض الدول لتتحرّك بشكل أكثر جلاءً ودون الاستعانة بغطاء من الخطاب الدبلوماسي الخادع، وذلك لأن هذا التقارب يعطي لتركيا مكانة متقدمة في الملف الليبي باعتبارها شريكاً استراتيجياً لمن يمثّل السلطة الشرعية في ليبيا، وهي قادرة على خلق جسور تواصل جيدة بين الرئاسي ودول مهمة مثل روسيا والولايات المتحدة التي تجيد تركيا التعامل معهما من خلال خبرتها في الأزمة السورية، كما أن هذا التقارب بين المجلس الرئاسي وتركيا من شأنه أن يشجع دولاً أخرى في مقدمتها الدول المغاربية للخروج من حالة الحياد إلى الدعم الحقيقي للمجلس الرئاسي ضد المشروع الاستبدادي.

والجدل القانوني المُثار حول مذكرتي التفاهم ليس إلا محاولة بائسة من أطراف تعادي تركيا وتريد إحلال نموذج استبدادي في ليبيا يتماهى مع توجهها الإقليمي المدمّر في المنطقة، وبعيداً عن هذا الجدل فإن هذا التقارب كشف عن هشاشة التوافق الدولي الذي يحاول المبعوث الأممي غسان سلامة تحقيقه بالتنسيق مع الخارجية الألمانية قبل عقد مؤتمر برلين مجهول الموعد والنتائج.

فمحور الاستبداد العربي المتمثّل في الإمارات والسعودية ومصر لازال يصرّ على دعم مشروع الاستبداد العسكري الذي يقوده حفتر، بل وجد في توقيع مذكرتيْ التفاهم فرصةً ليحاول من خلالها تجاوز الاتفاق السياسي الذي كان ولازال العقبة الكأداء التي حالت دون وصول حفتر إلى السلطة، والجديد في المشهد هذه المرّة هو عودة الرياض الغائبة منذ أبريل الماضي إلى واجهة الدعم الذي يتلقاه حفتر ومعسكره باستدعائها لرئيس مجلس نواب طبرق عقيلة صالح، والذي لم يتأخر في تنفيذ ما أمرته به الرياض من مطالبة المجتمع الدولي بسحب الاعتراف من المجلس الرئاسي ورئيسه فايز السراج، ليكون في هذا الموقف متوافقاً تماماً مع التوجّه المصري الذي يسعى لتجيير موقف جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي لصالحه، ويمكن القول أن هذا المحور يسعى إلى تعطيل استئناف العملية السياسة من خلال تنازع الشرعية، وتأجيل مؤتمر برلين لإعطاء حفتر وعصاباته المزيد من الوقت لتدمير العاصمة وإراقة المزيد من الدماء.

وتصدر آل سعود لمشهد الداعمين لحفتر جاء بعد زيارة ابن سلمان ولي العهد السعودي لأبوظبي ولقائه ولي عهدها ابن زايد، مما يرجّح طلب الأخير من الرياض العودة يثقلها لمواجهة تنامي الدور التركي الذي يبدو أنه لا يقلق واشنطن بقدر قلقها من الوجود الروسي، كما أن الرياض ترى في تركيا الدولة السُّنيّة المنافسِة لها والأكثر تأثيراً في المنطقة، ولها علاقتها المتّزنة مع كثير من الدول خاصة روسيا وإيران، وتوقيع مذكرتيْ التفاهم سيزيد من نفوذ تركيا وتأثيرها في المنطقة عموماً وليبيا خصوصاً، وهذا ما لا يريده النظام السعودي.

هذه المواقف التي ازدادت وضوحاً والتي من المرجّح أن يتبعها مزيد دعمٍ لحفتر وعصاباته تجعل الحديث عن مؤتمر برلين حالياً لا يتجاوز الاستهلاك الدبلوماسي، ويؤكد ضرورة تمسّك المجلس الرئاسي بحقه في الدفاع عن مدنية الدولة وشرعيته وصدّ العدوان وردّه، وعليه في هذا الصدد أن يوليَ قواته كل عناية ودعم، ويستمرّ في جهوده لتشكيل محور إقليمي يتصدى لمحور الاستبداد العربي الذي لا يعنيه تدمير ليبيا كما فعل في اليمن وسوريا، وأعتقد أن العمل مع الدول المغاربية وتكثيف التواصل معها سيكون بداية جيدة من شأنها أن تعرقل المساعي المصرية في استخدام جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي لصالحها.

عن محمد الغرياني

شاهد أيضاً

الأزمة الليبية وغياب القيادة الأميركية

يعد التوصل إلى حل للنزاع المدني الدائر في ليبيا معضلةً يصعب التعامل معها. وقد حاولت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *