الرئيسية / مقالات الرأي / بعدوانه على طرابلس .. هل أطلق حفتر رصاصة الرحمة على مشروعه؟

بعدوانه على طرابلس .. هل أطلق حفتر رصاصة الرحمة على مشروعه؟

ترتكز الحروب على مبدأي الهجوم أو الدفاع، وفي بعض الحالات تتخذ خطة هجينة تجمع بينهما، وتندرج تحت كل منهما استراتيجيات وفنون متعددة، وليس هنا مجال الإبحار في تفاصيلها، ودون الحاجة لمتخصصين في العلوم العسكرية، يمكن القول من خلال معاصرة عملية طوفان الكرامة أو تتبع انطلاقها في أبريل الماضي: إنها انتهجت تكتيك الهجوم الخاطف الذي يعتمد على عنصري المفاجأة والسرعة بهدف السيطرة على العاصمة والاستيلاء على الحكم.

وباعتبار الحرب ليست غاية في ذاتها، بل هي مجرد وسيلة سياسية لتحقيق أهداف وغايات موضوعة سلفًا، فإن عملية الطوفان التي أطلقها ويقودها حفتر فشلت في تحقيق نصر عسكري على قوات بركان الغضب، ولم تستطع إحراز أهدافها السياسية بالسيطرة على العاصمة، رغم منحها وقتا طويلاً لفرض واقع جديد، وتمويلها بسخاء، واستخدامها للمرتزقة من كل الجنسيات، وغض الطرف عن انتهاكها للقوانين الدولية وقرارات مجلس الأمن، وارتكابها جرائمَ بشعة ضد الإنسانية.

في المقابل، عملية بركان الغضب التي انطلقت بعفوية، نجحت في حرمان حفتر من تحقيق أهدافه حتى الآن، واستطاعت ردع عملياته الهجومية، ومنعه من دخول العاصمة التي كان يحلم بأن تجوب قواته شوارعها، ويلقي خطاب النصر من ميدان الشهداء.

وبغضّ النظر عن جوانب الضعف وأوجه القصور التي أغلبها تتركز في قيادة عملية البركان، فإن العملية حتى الآن استطاعت امتصاص موجات الهجوم وأحرزت تقدمات أبرزها استعادة السيطرة على مدينة غريان التي كانت غرفة العمليات العسكرية لقوات حفتر بالمنطقة الغربية.

بحثاً عن انتصار .. حفتر يغير أهدافه

كما أسفلت الذكر بأن نجاح أي عملية عسكرية لا يقاس بالبطولات الكلامية ولا بحجم الخسائر التي وصلت سبعة آلاف قتيل حسب رواية المسماري، بل يقاس النجاح بتحقيق الأهداف المرسومة، ولم يفلح حفتر في إنجاز أهداف عمليته حتى اللحظة، وانسدّت في وجهه كل السبل لدخول العاصمة.

ومع قرب إطلاق صافرة بداية مسار برلين والعودة مجددا إلى طاولة الحوار، غيّر حفتر خطابه بوضع أهداف جديدة لحربه، وبدأت ماكيناته الإعلامية تعمل عليها؛ بُغية صنع انتصارات وهمية، كالحديث عن تفكيك المليشيات ونزع سلاحها، متناسيًا أنه يقود زمرة مليشيات كـ”دعاب والكانيات وأولياء الدم ومجموعة الخمسين” وغيرها، ومرتزقة الجنجويد وفاغنر مهما حاول إلباسَها صبغة الجيش، علاوة على أنه فشل في ضبط الوضع الأمني بالمنطقة الواقعة تحت نفوذه، بل اتسمت بالفوضى والانفلات وارتكاب الجرائم والانتهاكات الحقوقية الجسيمة كالإعدامات خارج القانون التي نفذها أحد ضباطه “محمود الورفلي” المطلوب لمحكمة الجنايات الدولية، ومسلسل العثور على الجثث دون معرفة الجاني، وكذلك اختطاف النائبة سهام سرقيوة وتغييبها لأكثر من أربعة أشهر ولازال مصيرها مجهولا، والعديد من الجرائم المنظمة والانتهاكات التي تحتاج صفحاتٍ لسردها.

أي متابع للشأن الليبي لا يمكنه قبول تصدير حالة الفشل الأمني من المنطقة الشرقية إلى الغربية، كما أن مشروع تفكيك المليشيات وتفعيل القوات النظامية وضبط الأمن وتحقيق الاستقرار هو مشروع وزير الداخلية فتحي باشاغا الذي تبنّاه منذ توليه الوزارة، وأعلن عنه صراحة على الملأ وأخذ فيه خطوات فعلية؛ للحد من نفوذ المليشيات داخل العاصمة، وتحرير مؤسسات الدولة من سطوتها وهيمنتها، غير أن حفتر بعدوانه على العاصمة عطل هذا المشروع وأربك المشهد الأمني حتى بلغت مخاوف المجتمع الدولي مداها من عودة ظهور الإرهاب ومحاولات داعش تنظيم صفوفه من جديد.

هدف آخر برز على السطح بالحديث عن التوزيع العادل للثروة، وعبّر عنه حفتر بضرورة الوصول إلى أموال النفط والعدالة في توزيعه، ودندن حوله أعضاء مجلس النواب بطبرق، وأكد عليه عبد الفتاح السيسي من على منبر الأمم المتحدة واعتبره جذورَ المشكلة الليبية.

وسار المبعوث الأممي في السياق نفسه، معتبرا أن جوهر الأزمة في ليبيا هو صراع على الثروة يتخذ شكل الصراع على السلطة، وتحدث عنه عدد من المسؤولين الغربيين، وفي تصوري أن الأمم المتحدة والدول العظمى تعي جيدا أن حفتر يريد السلطة، إلا أنها تتبنى استراتيجية تغيير مسار الأزمة وتصديرها إلى خارج مجال الصراع الحقيقي، واستثمار الأزمة في شكلها الجديد لإيجاد مخرج لحفتر وتعويضه عن خسائره.

التوزيع العادل للثروة مسؤولية جماعية مشتركة، فثروة وأموال ليبيا ملك لأهلها جميعًا دون تمييز مناطقي أو عرقي أو غيره، وحسب ما هو معروف، فإن أموال النفط تدخل خزانة الدولة التي تمنح مرتباتها إلى الجميع شرقا وغربا وجنوبا بما في ذلك منتسبي قوات حفتر، كما أن ميزانية التنمية معطلة منذ إعلان حفتر انقلابه عبر شاشة العربية، إضافة إلى أن الحديث عن تهميش المنطقة الشرقية والجنوبية وحرمانها من نصيبها من ثروة ليبيا لا يسعف حفتر ولا يبرر عدوانه؛ لأن هناك علامة استفهام كبيرة عن علاقة ترهونة وصبراتة بهذا المطلب.

إن كان الحديث عن قضية توزيع الثروة يقصد به المصرف المركزي باعتباره خزنة الإيرادات والمتدخل في آليات صرف الأموال، فلا أعتقد أن هناك طرفا سياسيا متمسكا بإدارته الحالية، بل يبحثون عن تغييرها ولكن وفق القانون، فالمجلس الأعلى للدولة لم يتمسك بالكبير وحاول مع مجلس النواب معالجة طريقة طرح محمد الشكري ليتمّ تمريره وفقاً لبنود الاتفاق السياسي، وعلى صعيد آخر، وتحقيقا لمبدأ النزاهة والشفافية ومراقبة حركة المال العام، طالب السراج مجلس الأمن وبشكل عاجل تشكيل لجنة دولية فنية متخصصة وبإشراف الأمم المتحدة لمراجعة كافة الإيرادات والمصروفات وتعاملات مصرف ليبيا المركزي في طرابلس والموازي في البيضاء.

إن كل هذه المبررات التي يطرحها معسكر الرجمة، لا تعتبر أرضية صلبة يمكنهم الاتكاء عليها ولن ترفع عنهم حرج الهزيمة؛ لأن هدفهم الحقيقي ظاهر وجلي للجميع، وتوقيت غزو العاصمة دلّل بوضوح عن عدم قبول حفتر بتسوية الملتقى الجامع، ورغبته الجامحة في الاستيلاء على كرسي الحكم ولو صُنع من جماجم الليبيين.

وأمام فشل العدوان وتبخر حلم هيمنة حفتر على السلطة، ليس أمام حفتر إلا مسارين، الأول هو الاستمرار في خيار الحرب للوصول إلى الحكم أو الخروج من المشهد كليا، والمسار الثاني بخضوعه للحل السياسي وهذا يعني إقراره بالهزيمة وقبوله بأن يكون جزءًا من المشهد وليس المشهد بأكمله، وستتراجع أسهمه محليًا ودوليًا، وليس أمام إعلامه إلا اختراع انتصارات وهمية تُرضي غرورَ حفتر وتبرر خسائره البشرية ويُضحك بها على ذقون وعقول جميع أتباعه.

عن أمين علي

شاهد أيضاً

تفاهمٌ استفزّ محور الاستبداد العربي

التقارب الليبي التركي الذي تمثل في توقيع مذكرتي تفاهم بخصوص الدفاع المشترك والمنطقة البحرية الاقتصادية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *