الرئيسية / مقالات الرأي / ما الذي يدفع الشعوب للبحث عن القائد الملهم؟

ما الذي يدفع الشعوب للبحث عن القائد الملهم؟

كلما تطورت الدولة وتقدمت أصبحت القيادة فيها للمؤسسات لا للأفراد، وزالت الحاجة لوجود القائد الملهم الذي يجب أن يفعل كل شيء، ويحفز الناس على القيام بواجباتهم، كلما زاد وعي الشعوب وقل الجهل كان الأفراد أكثر قدرة على تحمل مسؤولياتهم وأكثر فهما لدور المسؤول سواء كان موظفا بسيطا، أوزير أو حتى رئيسا، دور لا يتعدى أن يكون تنفيذ الميثاق الذي يحدد نوع العلاقة بين الحاكم والمحكوم والذي أصبحت الديمقراطية أكثر نمط يحكم هذه العلاقة، بتحديد واجبات وحقوق كل طرف في الدستور ومجموعة من القوانين المنظمة لكل نواحي الحياة.

على النقيض نجد أن الدول المتخلفة لا تزال تبحث عن القائد الملهم الذي يجب أن يتوفر حتى تبدأ رحلة الإصلاح والتطوير والازدهار، وذلك أن الشعوب المتخلفة تفتقد للقدرة على فهم واجباتها وتحديد حقوقها، وهو ما يجعلها تبحث عن شخص ذي ثقة من أجل أن يوضح لكل طرف ما له وما عليه، شخص يقترب إلى الأساطير التي نسمع عنها في قصص الجدات، بل تعدى الأمر أن هذه الدول المتخلفة أصبحت تصيغ قوانينها الحاكمة للعلاقة بين الحاكم والمحكوم بشكل تجد هذا القائد في صلاحيات تقترب لصلاحيات الإله في الأرض، بتجميع كل شيء تحت أمره من سلطات تشريعية تنفيذية وقضائية وترأس لكل الهيئات المدنية والعسكرية، فتصبح الدول ملخصة في شخص واحد.

مستوى الخطاب في الدول المتقدمة واحد، قوامه أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم هي علاقة رضائية غير وصائية، يمكن الفكاك منها بمجرد أن يرفض أحد الأطراف الاستمرار.

لكن السؤال الجوهري ما الذي يجعل الدول المتخلفة وشعوبها تبحث عن القائد الملهم والدول المتقدمة تتخلى عن هذا الخيال الاستراتيجي وتوكل الحياة فيها إلى الهيئات عوض الأشخاص؟ أظن أن الجواب على هذا السؤال بقدر كونه سهلا وبسيطا إلا أنه عميق ومتشعب، والشاهد في القضية هي مستويات الخطاب الموجهة داخل الدول المتقدمة ونظيرتها المتخلفة، فالدول المتقدمة أصبحت بحاجة لمستوى خطاب واحد في حين أن الدول المتخلفة بحاجة إلى مستويات خطاب مختلفة والسبب الرئيسي في ذلك هو الجهل الذي يطبق على جل الدول المتخلفة عكس الدول المتقدمة التي تتميز بانخفاض مستويات الجهل وارتفاع مستويات الوعي.

ففي الدول المتخلفة، يرى سكانها أن سبب الفساد والتخلف والانحدار الذي يوجد فيه المجتمع هو الحاكم، في حين أن الطبقة الحاكمة والمثقفة ترى أن السبب في كل ذلك هو الشعب، خطابين متصارعين يجعل الشعب يرى أن التغيير ليس مهمته، بل تحتاج إلى قائد فذ كصلاح الدين الأيوبي، أما مهمته فستأتي حين يأتي هذا القائد وعدم قدومه يعني تعطيل كل شيء في توجه يشبه إلى حد كبير ما ذهب اليه الشيعة قبل الثورة الإيرانية من تعطيل كل شيء إلى ظهور المهدي المنتظر، مما حول الشعوب إلى كتل من الكسل والتهرب من المسؤولية، وامتد الأمر إلى درجة الاستسلام والتسليم مع توظيف النصوص الدينية لخدمة ذلك.

وعلى الطرف الآخر من المعادلة نجد الطبقة الحاكمة وما يدور في فلكها من المثقفين الذين يرون أن الشعوب التي يحكمونها لا تستحق أي نوع من الحرية والرفاهية، لأنها شعوب غير مستعدة لتحمل المسؤولية، ودعونا نقول إنهم يرون الشعوب عبارة عن مجموعات من الأطفال والمراهقين الذين إن منحت لهم الحرية سيسيؤون استعمالها، وهو ما يعطي الحاكم التوجه بأن يجعل نفسه فرعونا في الأرض بتطويع القوانين والنصوص من أجل أن يجمع كل الصلاحيات في شخصه، ظنا منه أنه بهذا يحمي الشعب المراهق من نفسه.

وهو ما يجعلنا أمام علاقة بين شعب يرى أن لا دور له في عملية الإصلاح إلا انتظار المنقذ ليبدأ في التحرك، وهو أمر لن يحدث طبعا؛ لأنه مجرد هروب من الواقع، وعلى الطرف الآخر حاكم يرى الشعب مراهقا يجب أن يقرر مكانه في كل شيء، واقع لن يتغير خاصة أن القوى العظمى تساهم في المحافظة على هذه العلاقة من خلال تشجيعها لحكام من هذا النوع حتى يحافظوا على المعادلة التي تجعل التخلف حتمية لا يمكن الهروب منها مهما حاول البعض تفكيك طلاسم المشكل، لأن الحاجة الحقيقية هي الحاجة إلى العلم، علم وثقافة أصبحت المخابر التابعة للقوى العالمية تقوم بصياغة برامجه ومقرراته؛ لأجل المحافظة على الجهل المتغلغل في تلك الأمم، وهو ما يجعل التخلف واقع وحقيقة بل وحتمية لا يمكن الفكاك منها.

مستوى الخطاب في الدول المتقدمة واحد، قوامه أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم هي علاقة رضائية غير وصائية، يمكن الفكاك منها بمجرد أن يرفض أحد الأطراف الاستمرار، سواء لأسباب خاصة أو لأخطاء ارتكبها الطرف الآخر، كما أن الانتخابات الدورية بالنسبة لهذه الدول هي وسيلة تقييمية، يرصد فيها الحاكم مدى تقبل الرعية لما قام به، كما أن كل ما يقدمه الحاكم لا يجعله فوق الحساب بعد نهاية عهدته التي يتحصن فيها، فشيراك وساركوزي واجها القضاء، والعديد من الوزراء والمسؤولون استقالوا؛ لأنهم فشلوا في تمرير قانون، وحتى أوباما الذي قدم لأمريكا الكثير تنحى بكل سهولة عن الحكم ولم يقل لن تجدوا رئيس أحسن مني، والسبب ليس في كونه لا يستطيع تغيير القوانين بل أن الشعوب التي يحكمها مثقفة قادرة على المطالبة بحقها وعدم التنازل عن المبادئ التي تحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

إذا فبين دول متخلف لديها مستويين من الخطاب وبين دول متقدمة لها مستوى واحد من الخطاب، ينحصر التقدم والتخلف الذي يضرب بعض الدول ويبتعد عن الأخرى، والذي يبقى مؤكدا أننا غير قادرين اليوم على الخروج من الدائرة المغلقة التي وجدنا فيها، نظرا لما كونه الجهل من شبكة علاقات ظلامية، قوامها المصلحة المشتركة بين الذين يحكمون هذه الشعوب التي يراها الحاكم كشعوب غبية غير قادرة على تحمل المسؤولية وبين شعوب تنتظر مهديها المنتظر من أجل أن تتحرك وشعارها المهم أن النار لم تشتعل في بيتي فلتذهب كل الدنيا إلى الجحيم.

سأقول كما قال رب العزة، “اقرأ” هي الحل فلا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تقوم بشعب جاهل لا يستطيع أن يفرق بين أولويات التغيير، ولا يستطيع أن يتحمل عناء الطريق الطويل، إن الطهر حين تنتشر الرذيلة وتعم يصبح جرما والرذيلة مهما كان نوعها لا تنتشر إلا حين يغيب الإيمان والإيمان لا يغيب عن أهل العلم فأكثر الناس خشية لله وإيمانا به هم العلماء، علم لا بد أن ينفر لنصرته رجالا في الدول المتخلفة لإعداد جيل عالم فاهم وواعٍ، وبقاء الجهل والأمية وفي شعوبنا يجعلنا في التخلف غارقين إلى يوم الدين، فالشعب إن تطعم بالوعي أصبح قادرا على اقتناص أي فرصة تلوح في قائد يمكن أن يقلب موازين القوى، لكن بقاء الشعب على جهله لن يحدث أي تغيير وإن كان فيه مهاتير وأردوغان.

المصدر: مدونات الجزيرة

عن ليلى أحمد

شاهد أيضاً

تفاهمٌ استفزّ محور الاستبداد العربي

التقارب الليبي التركي الذي تمثل في توقيع مذكرتي تفاهم بخصوص الدفاع المشترك والمنطقة البحرية الاقتصادية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *