الرئيسية / مقالات الرأي / حول الاتفاق الأمني والعسكري الليبي التركي

حول الاتفاق الأمني والعسكري الليبي التركي

لسائل أن يسأل: لماذا يبرم حفتر اتفاقات عسكرية وتكون محل فخر، فيما توصف اتفاقات المجلس الرئاسي الأمنية والعسكرية خيانة وبيعا للوطن؟!

هل المبرر هو مسألة الشرعية؟ إذا كانت الشرعية فالمجلس الرئاسي هو السلطة المعترف بها دوليا، والتحجج بأن ما وقع مخالف للاتفاق السياسي الذي يشترط رضا كل أعضائه لتمرير أي اتفاقية دولية لا يستقيم بالنظر إلى اتفاقات حفتر الأمنية والعسكرية ومنها الذي تم توقيعه على البارجة الروسية.

سخرية التحجج بالمشروعية

فلنعد إلى قرارات البرلمان وللنظر إذا توافرت فيها الشروط الشرعية والتي من أهمها اكتمال النصاب، أين هي المشروعية في القرارات والقوانين التي أقرت بعدد لا يتجاوز 50 عضوا؟ وهل تفرد رئيس البرلمان بجزء مهم من سلطات المجلس كان شرعيا؟ ثم ألم يكن رفض حفتر المثول للاستجواب تحت قبة البرلمان خرقا للشرعية ويجعل كل ما يقوم به باطلا قانونا؟!

بالنسبة لحكومة الوفاق، فإنها تدرك أنها تواجه عدوانا برعاية إقليمية دولية ودعم جوي وبري وبحري كبير، الأمر الذي يجعلها تتدارك نفسها بالبحث عن حليف يمكن أن يكون عونا للتصدي للعدوان وعليها أن تقنن هذا التعاون.

حرب حفتر على طرابلس وقعت دون أي مستند شرعي، فجل أعضاء البرلمان لم يكونوا على علم بقرار حفتر الهجوم على العاصمة وأكثر من نصف أعضائه رافضون له، ووقع الاعتداء خلافا للاتفاق السياسي وضد اتجاه المنتظم الدولي ممثلا في الأمم المتحدة، فهل يصبح الطعن في الاتفاقية مع تركيا بذريعة مخالفة الاتفاق السياسي ذا قيمة في ظل ما يقع فيه حفتر من خروقات وتجاوزات؟!

انتصارا للتوجه السياسي لا أكثر

لعل سبب الرفض والوصف بالخيانة لأن الشريك في الاتفاق تركيا، ونقول أليست تركيا أقرب لليبيين من روسيا وفرنسا؟ وهل نتصور أن تركيا خطر على ليبيا بينما فرنسا وروسيا جالبتان للاستقرار والوئام والازدهار؟!

يا إخوة لا يمكن أن نقبل بأن يكون للإمارات وجود عسكري مكثف في ليبيا، ولفرنسا خبراء وجنود يتمركزون في مناطق عدة في البلاد، ولروسيا قوة عسكرية وعتاد بل ومشروع تحويل ليبيا إلى قاعدة عسكرية لمناكفة الأوروبيين والأمريكيين في منطقة البحر المتوسط، ثم نطلب من الحكومة الشرعية التي تتعرض لعدوان بأن تقف مكتوفة الأيادي وتمتنع عن الاتفاقات الأمنية والعسكرية وهي ترى الآخر لا ضابط له في التعاون الأمني والمخابراتي والعسكري مع أي طرف أجنبي مستعد لتوفير الدعم.

المبررات والدوافع

الأتراك لهم مصالح في ليبيا كما للأطراف الإقليمية العربية والأخرى الدولية (فرنسا وروسيا)  مصالح يسعون للمحافظة عليها أو تعظيمها. ولقد رأى الأتراك أن تكون مصلحتهم مع حكومة الوفاق وهم مستعدون لتوفير الدعم المادي والمعنوي لتصمد جبهة الوفاق أمام العدوان. ولأنهم يدركون أنهم محتاجون لغطاء قانوني لدعمهم المباشر لحكومة الوفاق فقد حرصوا على أن يربطهم بحكومة الوفاق، المعترف بها دوليا، اتفاق يجعلهم في الجانب الآمن خاصة أمام تبعات قرارات مجلس الأمن التي تحظر بيع السلاح لليبيا، وفي مواجهة مخرجات مؤتمر برلين الذي لا محالة سيضع آلية للتعامل مع خروقات حظر السلاح.

ولا أستبعد أن يكون من بين دوافع إبرام الاتفاق الأمني والعسكري إرسال رسالة واضحة للأطراف الإقليمية والدولية الداعمة لحفتر بأن أنقرة جاهزة للمضي قدما وبكل ما تملك لدعم الوفاق للتصدي لأي تصعيد عسكري تقوده تلك الأطراف.

أيضا لتوقيت توقيع الاتفاق الأمني والعسكري علاقة بالموقف الأمريكي الجديد المتحسس جدا من التدخل الروسي في الأزمة الليبية، فتركيا عضو في حلف الناتو، وهي أقرب للولايات المتحدة، ويمكن أن يكون للاتفاق أثر أكبر من خلال التوافق التركي الأمريكي.

بالنسبة لحكومة الوفاق، فإنها تدرك أنها تواجه عدوانا برعاية إقليمية دولية ودعم جوي وبري وبحري كبير، الأمر الذي يجعلها تتدارك نفسها بالبحث عن حليف يمكن أن يكون عونا للتصدي للعدوان وعليها أن تقنن هذا التعاون.

الازدواجية والموازين المختلة

الصراع اليوم، خاصة بعد هجوم 4/4، خرج عن القواعد المألوفة في الحكم والتقييم، وحكومة الوفاق ورئيسها فايز السراج قدم لحفتر كل ما يريد، وتماهى معه على طول الطريق منذ توقيع اتفاق الصخيرات في ديسمبر 2015م، وعلى حساب القاعدة المنتظم السياسي والعسكري في العاصمة، فكان أن خذله حفتر وطعنه في الظهر وحشد له السلاح الفرنسي والإماراتي والمرتزقة الروس والسوادنيين والتشاديين، فهل يعقل أن تسلم له الحكومة، وهل يصبح قيامها ببعض مما قام به حفتر من الاستعانة بالأجنبي خيانة وبيعا للأوطان؟!

يا إخوة؛ مقولات وشعارات التحالف مع الشيطان والتعاون مع الأجنبي والخضوع لقرارته حتى لو كانت تلك القرارات ضد مصلحة الوطن هي منطق الكرامة وتوجهات الجيش التابع للبرلمان، فكيف تصبح منكرا وفسادا عظيما عندما تصدر عن الحكومة الشرعية المعتدى عليها؟!

بقليل من الرشد تنحل العقد

الاتفاقية الأمنية والعسكرية ربما ستسهم في احتواء التنافس الإقليمي والدولي على ليبيا، وستعزز من مخاوف الأطراف الدولية وحتى الإقليمية من تصعيد يصعب احتواؤه، وبالتالي فربما تصبح التسوية السياسية راجحة في قابل الأيام.

عليه فإن المنطق يقضي بأن نرفض الاحتكام للسلاح ونمنع العدوان ونجرم الاستعانة بالأجنبي عربيا كان أم أعجميا، بهذا وحده يمكن أن نقترب من حل الأزمة، لكن أن تبرر العدوان وتبارك الاستعانة بالأجنبي دون قيود أو حدود وتجلب المرتزقة الروس المعروفين بتاريخهم الإجرامي ثم تقيم الدنيا ولا تقعدها لأن خصمك لجأ إلى بعض ما اقترفت يداك، فهذا منطق أعوج لا يمكن أن يقبله عاقل أو يدافع عنه من كان الوطن والمواطن همه وشغله.

فلنمنع الفعل مهما كان مصدره ولنستنكر الممارسات المنحرفة دون تمييز بين الصديق والعدو، ولنعلم أن تبرير الفعل بحجة أننا على الحق لا يسعف أنصاره، فنحن في صراع سياسي تحكمه المصالح، والحجة تنهار أمام العدوان المرفوض شرعا وعرفا وسياسة وقانونا، و”البادي هو الأظلم”.

المصدر: العربي 21

عن محمد الغرياني

شاهد أيضاً

تفاهمٌ استفزّ محور الاستبداد العربي

التقارب الليبي التركي الذي تمثل في توقيع مذكرتي تفاهم بخصوص الدفاع المشترك والمنطقة البحرية الاقتصادية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *