الرئيسية / مقالات الرأي / نهاية مفعول الخداع

نهاية مفعول الخداع

الآن بتنا على يقين أن الناطق الرسمي باسم حفتر أحمد المسماري أخفق في إقناع أهل طرابلس بمشروعية حرب حفتر عليهم وتدمير بيوتهم على رؤوسهم بالصواريخ والقنابل لإنقاذهم من الإرهاب.
المسماري في لحظة بوح نادرة قال: “إن الأخوة في طرابلس وقعوا ضحية تضليل إعلامي كبير جدا، واستهداف من وسائط التواصل الاجتماعي لتسميم الأفكار وتسميم العقول حول عمليات القوات المسلحة”، مذكِّرا بتفهم سكان بنغازي ودرنة لعمليات القوات المسلحة لقربهم من محاور القتال. وقبل الخوض في التعليق على التصريح، يقتضي الإنصاف التأكيد على إتقان المسماري لدوره الإعلامي التعبوي في معارك حفتر العديدة، فقد أظهر مهارة غير عادية في صناعة الأكاذيب وترويجها وتضليل المتابعين إلا من أَعمَلوا تفكيرهم فيما يطرحه بحثًا وتحليلًا.
مهارة المسماري في ترويج الأكاذيب هي امتداد لصناعة عريقة في تاريخ حروب جنرالات الكذب العربي، إذ شهدت حرب حزيران/يونيو مع العدو الإسرائيلي عام 1967م بروز الإعلامي المصري “أحمد سعيد” الذي كان يقرأ بيانات غرفة عمليات المعركة المبشرة بالنصر، ولم يكن الأمر مجرد مبالغات في مجرى المعارك أو حجبًا للخسائر وإنما خديعة كبرى، كان “أحمد سعيد” يُسقط عبر إذاعة “صوت العرب” الطائرات المقاتلة الإسرائيلية بمعدلات غير معقولة حتى فاق ما أسقطه مجموع ما يملكه العدو من طائرات حربية، ثم استيقظ العرب من أوهام الخداع على هزيمة قاسية ما يزالون إلى يومنا هذا تحت تأثيرها، وخلال حرب أمريكا للعراق كان وزير الإعلام العراقي “محمد سعيد الصحاف” أبرز نجوم الحرب، بتصديه شخصيا للمهمة الإعلامية مُعلنًا في مؤتمرات صحفية يعقدها أمام فندق الرشيد ببغداد، عن سحق الأمريكان “العلوج” في دباباتهم، على امتداد طريق البصرة بغداد كانت الدبابات الأمريكية، حسب تصريحات الصحاف، محطمة يغلفها السخام ويتصاعد منها الدخان، و تتدلى على جنازيرها بقايا جثث الجنود الأمريكيين، حتى نبهه أحد مساعديه فالتفت ليرى طلائع الدبابات الأمريكية تقترب. كان الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن معجبا بأداء “الصحاف” إلى حد أنه أوصى بإبلاغه فور ظهوره على التلفاز حتى لو كان في اجتماع طارئ، ولمّا قدمت له قائمة بأسماء القيادات العراقية المطلوب اعتقالها شطب بقلمه اسم “الصحاف” قائلا: كيف تعتقلون رجلي المفضل؟ يرى الكاتب والباحث الأمريكي “جين شارب” أن “بعض الحكام يحكمون شعوبهم باتباع الخداع لا المبادئ الأخلاقية، هؤلاء الحكام لا يعون تشوش أذهانهم و لا يدركون أنه في اللحظة التي يكتشف الناس فيها أمرهم ينتهي مفعولهم”.

وسائط التواصل الاجتماعي التي ضللت الناس، وسممت العقول والأفكار، وفقا لتصريح المسماري، أنهت مفعول الخداع؛ ذلك لأنها كشفت الصورة الحقيقية التي سخّر المسماري كل مواهبه في الكذب والتزييف من أجل تغييبها، وبيّنت تهافت حفتر وزيف دعاواه حول حربه على الإرهاب، وحطمت أسطورة الجيش بعد ما تبين أنهم بقايا فئات عفنة من المجرمين لها عدو واحد هو الشعب.

اختلاف الأمر في بنغازي ودرنة ليس بالضرورة لتفهم الناس أو لقناعتهم بمشروعية الحرب، بل لأن أخبار التعذيب في أقبية السجون وصور الجثث في الأبيار وشارع الزيت وزوار ما بعد منتصف الليل نشرت الرعب و فرضت الصمت، أُجبر الناس على إظهار الرضا والقبول حمايةً لأنفسهم و عائلاتهم. ويناسب المقام أن نذكر بيت شعر لأبي العلاء المعرّيّ:تَلَوْا بَاطِلًا وَجَلَوْا صَارِمًاوَقَالُوا أَصَبْنَا، قُلْنَا نَعَمْ

أدرك المسماري صعوبة مهمته في حرب طرابلس حيث تزدحم المحاور بإعلاميين ونشطاء يتابعون المواجهات وينشرون أخبارها أولا بأول بالصوت والصورة، فغيّر من إستراتيجيته بشكل جذري. قلل من الظهور في مؤتمرات صحفية بلا صحفيين أمام طاولة تزدحم بلواقط الصوت لتلفزيونات شهيرة كجزء من عملية تسويق الوهم بالإيحاء للمشاهد أن قنوات ووكالات عديدة تتابع تصريحاته، واتبع نهجا مختلفا لا يعتمد على اختلاق الأكاذيب وتسويق انتصارات مزيفة، وإنما يذهب مباشرة ليتحدث عن آخر التطورات عبر بيان مقتضب، ولكنه يشتت الأذهان عن الحقيقة التي عرفها الكثيرون بإعلان “حقيقة” أخرى موازية، فبعد كل قصف عشوائي يطال الأبرياء يتلو بيانا يعلن فيه عن تدمير أهداف عسكرية بنسبة نجاح تصل إلى 100%، وعقب كل هزيمة في أرض المعارك يعلن عن تقدم القوات المسلحة وسيطرتها على مواقع جديدة.

أجرى الروائي “جورج أورويل” على لسان إحدى شخصيات روايته الشهيرة “1984” العبارة التالية: “إذا أردنا أن نحكم وأن نستمر في الحكم يجب أن نكون جديرين بتشتيت معنى الحقيقة”، في الواقع تلخص العبارة أهم ضرورات سلطة العنف لكي تستمر في السيطرة وهي تشتيت الحقيقة إذا تعذر احتكارها، في معارك بنغازي ودرنة احتكر المسماري الشاشة وقدم “الحقائق” مثلما أراد من دون رأي مختلف ينقل ما يجري من جانب محايد، ولمّا كان احتكارها ضربا من المستحيل في معركة طرابلس في وجود متابعة دقيقة ورصد من وسائل إعلام عالمية، وفي ظل وسائط التواصل الإعلامي، لم يعُد أمام المسماري غير سلاح تشتيت الحقيقة بمصادرة الحقيقة الأصلية وطرح “حقيقة” تضمن له بقاء الحد الأدنى من جمهور لا يرغب في مغادرة جنة الأوهام إلى جحيم الحقيقة.

عن ليلى أحمد

شاهد أيضاً

عبودية القطيع.. أن تتبع حفتر كأنك تراه

مواطن يخاطب صورة لحفتر لا تغني ولا تعصم الدماء، وآخر يؤكد تبعيته لحفتر حتى “يموت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *