الرئيسية / مقالات الرأي / تطور مفهوم الدولة…من الخلافة إلى الدولة الوطنية الحديثة “الجزء الثاني”

تطور مفهوم الدولة…من الخلافة إلى الدولة الوطنية الحديثة “الجزء الثاني”

الدولة الوطنية الحديثة

عشية مجيء الاستعمار، أو الاحتلال الغربي لبلاد المسلمين كان النموذج الإمبراطوري (الخلافة) قد استنفد كل طاقته، وعمره الافتراضي، لذا كان من الطبيعي أن ينفرط عقده مع مجيء الاحتلال، وأن تضمحل الآثار التي يمكن أن يبنى عليها بعد رحيل الاحتلال، ولا يبقى إلا آثار الاستعمار نفسه. وكانت آثار الاستعمار الغربي ذات بعدين متناقضين إلى حد ما؛ فهي من جهة تدعوا إلى إقامة دولة مستقلة، بما أحيته من الروح الوطنية، ومن نزعة إلى الاستقلال، وهي من جهة أخرى تبالغ في إظهار الصورة السلبية التي كانت قائمة قبل مجيء الاستعمار. مما يعني أنها تقوض ما تبقى من آثار إيجابية للنظام الإمبراطوري.

وعلى قدر تمسك التيارات التي سادت الشارع العربي بعد الاستعمار بالأصالة التي يمثلها النموذج السابق على الاستعمار، وبعدها عنها، كان موقفها من تركة الاستعمار (الدولة الوطنية) قبولا ورفضا، وتحفظا؛ فقد انصاعت الحركات القومية، والتيارات الوطنية، واليسار، لفكرة الدولة الوطنية الحديثة، وعاقت فكرةُ الوفاء للنموذج التقليدي الحركاتِ الإسلامية عن هضم فكرة الدولة الوطنية، ولم يسعفها الخيال السياسي بتطوير مفاهيم بديلة، أو تطوير فكرة النموذج لتتوافق مع الواقع الحديث، فكان تعاطيها مع الدولة “شبه بـ”تكيف على مضض”.

ما بين سقوط الخلافة والحنين إلى استردادها وفشل الأنظمة الاستبدادية التي جاءت عبر الانقلابات العسكرية بدأ الصراع مبكرا بين هذه الأنظمة الحاكمة والحركات الإسلامية التي بُنيت فلسفتها السياسية على الحنين لاسترجاع الخلافة.

وساهم تراكم الظلم والفساد والمآسي في العالم العربي في تأجيج هذا الصراع الذي أخذ أشكالا عديدة غلب عليها عنف الدولة التي كانت ترى أنها تدافع عن ذاتها، بينما كانت تنظر الحركات الإسلامية إلى تلك الأنظمة على أنها أنظمة عميلة وفاسدة ولا علاقة لها بالأمة، وهي سبب الكارثة التي يعاني منها العالم الإسلامي، كما أنها عقبة أمام العودة إلى الخلافة الإسلامية.

الانفجار.. التغيير بالثورات ..

كل ذلك جعل الأنظمة الحاكمة في العالم العربي في صراع دائم مع هذه الحركات التي نجحت في إقناع قطاع عريض من الشارع من خلال نضالها الطويل بفساد هذه الأنظمة وضرورة الإصلاح طوعا أو كرها، مما جعل الأنظمة أمام خيارين لا ثالث لهما: خيار الإصلاح السياسي العاجل أو خيار الثورة والانفجار، ويبدو أن تلك الأنظمة التي طال عليها الأمد فضلت أن تخمد الانفجار وتواجهه، ظنا منها أنها ما زال بإمكانها لجم طموحات الشعوب في التحرر من خلال القمع والتنكيل. بيد أن الشعوب العربية كانت قد وصلت إلى مرحلة اللاعودة، ولم يعد يخيفها سوط الجلاد ولا صوت الرصاص.

انفجرت الثورات العربية .. كانت البداية من تونس عندما أحرق البوعزيزي نفسه، ثم انتقلت شرارتها إلى مصر ومنها إلى ليبيا ثم اليمن وسوريا فكانت ثورات الربيع… ثم جاءت الموجة الثانية فأسقط نظام البشير في السودان وضغط الشارع الجزائري على الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة لكي لا يترشح لولاية خامسة فقدم استقالته قبل موعد الانتخابات، ومازالت موجات هذا الربيع تترى.

الحوار والمراجعات ..

ونتيجة لأجواء الحرية التي خلفها الربيع العربي، فُتح باب الصراع والتنافس الأيديولوجي بين العلمانيين والإسلاميين على مصراعيه، كان الوضع، إلى حد ما، صحيا في تونس ومليئا بالإخفاق في باقي دول الربيع. وقد فرض هذا الصراع والنقاش حقيقة مفادها أن الخيار العلماني مرفوض إسلاميا والخيار السلفي مرفوض إنسانيا والخيار الأمثل هو الخيار المركب الذي يجمع بين الديني والمدني في إطار الدولة الوطنية الحديثة، بحيث تكون الدولة ديمقراطية وفي الوقت ذاته تستند إلى القيم الأخلاقية والتشريع الإسلامي وفق ثقافة الإقناع والتراضي(1).

كما أن هذا الصراع بسلبياته وإيجابياته فتح بابا آخر على الحركات والجماعات الإسلامية، وهو ضرورة البدء في مراجعات جذرية وحقيقية. استفاقت هذه الجماعات الإسلامية، مؤسسات وقيادات، على حقيقة أن الخيار الإمبراطوري (الخلافة) قد أصبح من الماضي وأن خيار الدولة الوطنية الحديثة قد أصبح واقعا وأن البشرية استمرت في تطوير أنظمتها السياسية ولم تتوقف، كما توقف العالم الإسلامي في عطائه عامة وفي تطوير نظمه السياسية خاصة بسبب الاستبداد الذي جثم على صدره.

خيار الدولة الوطنية الحديثة لا يتنافى مع أن تكون الدولة والساسة يحملون قيم الإسلام وأخلاقه وتشريعاته وفق النظام الديمقراطي المبني على بذل الجهد في إقناع الناس ونيل أصواتهم وتمثيلهم، حتى تصبح هذه القناعات واقعا معاشا بالتراضي.

كما أن الدولة الوطنية الحديثة لا تمانع في قيام روابط سياسية؛ كالاتحاد الأوروبي، أو تكتلات اقتصادية كمجموعة العشرين ومجموعة السبعة وغيرها، ولعل الأقرب لبلادنا (ليبيا) أن تعمل على تقوية وتفعيل العلاقة بينها وبين دول العالم المغاربي، العربي الأمازيغي، الذي يتطلع إلى تفعيل الاتحاد المغاربي كقوة سياسية واقتصادية مطلة على البحر الأبيض المتوسط في ظل تعثر وموات جامعة الدول العربية.

أسس وملامح بناء الدولة الوطنية الحديثة

الدولة الوطنية الحديثة تحترم القانون والعمل المؤسسي وتؤسس على المواطنة وتساوي بين مواطنيها في الحقوق والحريات العامة، مثل الحق في الحياة والكرامة، وحرية الضمير والمعتقد، والحق في التنقل، وحرية التعبير والتظاهر بكافة أشكاله، وحرية إقامة الأحزاب والنشاط السياسي، وحرية الصحافة وغيرها من الحقوق.

الدولة التي يكون فيها الشعب مصدر ومالك السلطة، يمارسها من خلال الانتخابات باختيار من يمثله أو عبر استفتائه في القضايا الجوهرية التي تمر بالبلاد كإقرار دستور او تعديله. الدولة التي يقوم النظام السياسي فيها على أساس مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها. ذلك النظام السياسي القائم على الديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية والتداول السلمي للسلطة.

الدولة التي تُنشِئ نظاما اقتصاديا إنتاجيا بعيدا عن النظام الريعي الذي أورث الاتكالية وقضى على الإنتاج والإبداع. دولة تحرص على تقديم الخدمات وتحسن إدارة الموارد وتعمل على تكافؤ الفرص بين كافة المواطنين وتحقق العدالة الاجتماعية.

دولة تتبنى الشفافية وتستجيب للمساءلة وتتحمل المسؤولية، وتحترم سيادة القانون، وتضبط احتكارها للعنف بأن لا يُستخدم لتحقيق ولاء لحاكم ولا لبقائه في السلطة أطول مما نص عليه الدستور الذي يعبر عن إرادة الشعب. دولة لا تتدخل في عمل الهيئات المستقلة، وتعمل على حمايتها وصيانتها من أجل أن تقوم بأعمالها وفق القانون. دولة تعمل على تنقية شوائب الماضي من خلال المصالحة الشاملة والعادلة التي تجبر الأضرار بالتعويض أو العفو أو القضاء.

====================================

1) محمد مختار الشنقيطي، المصدر السابق، ص 25.

عضو المجلس الانتقالي السابق عبد الرزاق العرادي

عن Journalist

شاهد أيضاً

تطور مفهوم الدولة…من الخلافة إلى الدولة الوطنية الحديثة ” الجزء الأول”

عندما نشأت الدولة الإسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء الراشدين لم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *