الرئيسية / مقالات الرأي / “العدالة والبناء” الليبي.. مسار اعتدال في مفترق طريق”

“العدالة والبناء” الليبي.. مسار اعتدال في مفترق طريق”

بتسطيح واختزال للمشهد، يظن البعض أن الخلافات التي ظهرت مؤخرا في حزب العدالة والبناء الليبي هي نتيجة حرص القيادة الحالية على تمديد ولايتها أو الترشح لمرة أخرى، متناسين أن النظام الأساسي للحزب يسمح بدورتين متتاليتين فقط.. زد على ذلك التصريح الرسمي لرئيس الحزب “محمد صوان” بعدم رغبته في الترشح، متغافلين عن المشكلة الحقيقية الظاهرة لكل متابع، ناهيك عن الأعضاء، والتي صاحبت كل المواقف السياسية، خاصة في السنوات الأربع الأخيرة، ما نتج عنها هزّات كبيرة عصفت بالحزب، استقال على أثرها من استقال، وانسحب بهدوء آخرون، وبقت مجموعة كأنها حزب داخل الحزب تنتظر الفرصة المناسبة للانقضاض على الحزب وتغيير مساره، حتى وصل بهم الحال إلى استخدام عبارة “استرجاع الحزب”، وهو ما يوحي بأن جهة ما تدعي ملكية المشروع وتخشى أن يُسرق منها.

الخلاف في حقيقته ليس كما يصوّره البعض بأنه بين الإخوان من جهة وشركائهم المستقلين من جهة أخرى، فالخلاف أوسع من هذه الجزئية، وهو نتيجة لجملة من الاختلافات تراكمت عبر الممارسات السياسية والمواقف منذ التأسيس، وبرزت للفضاء العام نتيجة انحياز قيادة الحزب برئاسة “محمد صوان” مبكرا لخيار التهدئة وطيّ صفحات الماضي، وتضميد الجراح والحل السلمي للأزمة عبر طاولة الحوار السياسي والمفاوضات، بينما عارض آخرون من أعضاء الحزب هذا الخيار؛ منحازين إلى تيار التشدد بجناحيه الإسلامي والثورجي في دار الإفتاء والتيار العاطفي المؤيد لها، والذي وقع في الخلط بين القطعيات وبين المسائل السياسية الاجتهادية المبنية على تقدير المصالح والمفاسد، والمعني بها في المقام الأول النوابُ المنتخبون والسياسيون.

سجال النشأة والتبعية

صاحب تأسيس الحزب أجواء إيجابية تفاؤلية بالمستقبل السياسي للبلاد بعد الثورات العربية، فضلا عن تقدم الأحزاب الوسطية في انتخابات أكثر من بلد عربي، فكان الانتماء عاطفيا لجزء كبير من المنخرطين في الحزب، وكان الاتفاق على المبادئ والعموميات هو القاسم المشترك، في أجواء خالية من حملات التشويه للتيار الإسلامي، كما لم تكن قد ظهرت بعد الجوانب السياسية التي تتمايز حيالها الاجتهادات. أضف إلى ذلك عاملا مهما جدا؛ تمثّل في انبثاق الحزب بمبادرة من جماعة الإخوان المسلمين، بعد أن قررت في مؤتمرها التاسع أن لا تخوض في العمل السياسي، وتتخصص في العمل الدعوي، وتترك لأفرادها حرية الانتماء فرديا لأي حزب وفقا لمبدأي الوطنية والمرجعية الإسلامية، ولا شك في أنه قرار ناضج وشجاع، ولكن السؤال: هل أدركت الجماعة في حينها ما سيترتب على هذا القرار إذا ما طبق كاملا؟ وأن عملها فعلا يقتصر على الجانب الدعوي؟

تأسس الحزب على مبدأ الشراكة الفردية للإخوان مع المستقلين من أبناء الوطن، بحيث يكون منفصلا إداريا وماليا وتنظيميا عن الجماعة وأن لا علاقة لها كتنظيم بالحزب، وهذا ما عبر عنه النظام الأساسي للحزب. ولم تستطع الجماعة التدخل كتنظيم في صناعة قرارات الحزب ورسم توجهاته، ويرجع ذلك لصرامة رئيسه “محمد صوان”، واقتناع عدد كبير من الإخوان والمستقلين بذلك، ووقوفهم معه والإصرار على الالتزام بالفصل الكامل وفقا لما تقرر. وفي المقابل، لم تُرضِ هذه الصرامة جزءا ليس بالقليل من الإخوان المسلمين، في حين لم تنجح الجماعة في الانطلاق نحو العمل الدعوي، ويا ليتها فعلت.

وفي الفترة الماضية، أعلنّا رفضنا لتدخل الإخوان كمؤسسة في شؤون الحزب الداخلية، بعدما تم تسريب بيان مجلس شورى الجماعة بتوجيه أعضائها لاستحقاقات داخل الحزب. فالبيان يقرأ في توقيته، وفي سياق جدول أعمال اجتماع الهيئة العليا المنعقد لبحث إمكانية إقامة المؤتمر العام الثاني للحزب، وفقا للأوضاع السياسية والأمنية التي تمر بها البلد، أو الالتزام الحرفي باللوائح، وهو ما أكّد عليه البيان، ما اعتبر توجيها واضحا ظهرت نتائجه خلال الاجتماع، فلا يسعف من وافق عليه تبريره.

إذا أين الخلاف؟

المتابع للمشهد يعي جيدا مواضع الخلاف داخل العدالة والبناء، وبإمكان الجميع العودة لها متى شاؤوا، فهي موثقة في أكثر من محطة؛ أفرزت داخل الحزب تيارين متضادين في وجهات النظر: تيار معتدل تعبر عنه القيادة الحالية للحزب برئاسة “محمد صوان”: ومعه قيادات أخرى من كل المستويات في الكتلة البرلمانية ووزراء سابقون وأعضاء ديوان الرئاسة ومستشارون وعدد من الصف الثاني وشباب الحزب، يتحركون من واقع معايشتهم للمشهد السياسي، مدركين عمق الأزمة، مما دفعهم للبحث عن حلول وسط بين كافة أبناء الوطن، بعيدا عن الاحتراب، وتقديم ما أمكن من التنازلات، واختيار الحوار والمصالحة والوفاق وقبول الآخر والتنوع والانفتاح على الجميع، بما في ذلك النظام السابق، كسبيل للعبور بليبيا إلى بر الأمان، فانخرطت قيادة الحزب في الحوار السياسي حفاظا على وحدة ليبيا وسعيا للخروج من الأزمة باعتبار حلها سياسيا وليس قانونيا، الأمر الذي لاقى رفضا شديدا من أعضاء الحزب من الإخوان والمستقلين على السواء، ممن وُجدت فيهم صفة التشدد بمستوياته المختلفة. ولعل وسائل الإعلام والميادين والساحات شاهدة على ذلك، من خلال إصرارهم على المغالبة وإنهاء الطرف الآخر، متوارين خلف حجة التمسك بحكم المحكمة القاضي ببطلان مجلس النواب. وهم في توافق تام مع موقف المتشددين في المؤتمر الوطني العام الذي كان لخطاب دار الإفتاء الدور الأبرز في تصلبه وعناده. وقد ازدادت هوة الخلاف بين التيارين تبعا للمواقف التي اتخذتها قيادة الحزب، والتي اتسمت بالمرونة والاعتدال والاحتواء، وهو ما يصفه الطرف الآخر داخل الحزب بالتفريط والتنازل والانحراف عن المبادئ، فاستقال من استقال، وجمد البعض نشاطهم، وتحفظ آخرون وآثروا البقاء من أجل انتظار فرصة لتغيير مسار الحزب، وها هي قد حانت لهم بانعقاد المؤتمر العام الثاني.

التهدئة والاتفاق السياسي

كان امتداد عملية فجر ليبيا وتوسعها خارج العاصمة هي أولى محطات الخلاف البارز لتياري العدالة والبناء، فرفضت قيادة الحزب الاستمرار في خيار الحرب، وأصدر الحزب بيانات واضحة، واتُخذت مواقف عملية ومساع جادة لوقف القتال تحت شعار أطلقه رئيس الحزب، هو “الانطفاء التدريجي لصوت الرصاص”، في وقت لا صوت يعلو فوق صوت البنادق. وامتدت جهود التهدئة ورفض القتال والحرب في ورشفانة والوطية وككلة، وكان ذلك بالتواصل المباشر وعبر الإعلام والبيانات والمواقف.. كل ذلك أثار حفيظة التيار المقابل في الحزب الذي عُرف بمواقفه المتشددة.

خلاف آخر برز عند سقوط طائرة مروحية فوق منطقة المايا، واستشهد من كان على متنها، حيث كان المؤتمر الوطني وحكومة الإنقاذ ودار الإفتاء ووسائل إعلام (اختارت خطاب التحريض والتصعيد) يدفعون باتجاه توظيف الحادثة في الصراع المسلح غرب طرابلس، حيث روّجوا بأن الطائرة سقطت بسبب تعرضها لرماية نارية من قبل “الأزلام”، في محاولة لاستعادة نعرة خلاف سياسي تجاوزها الزمن، فكان موقف الحزب واضحا ولم يوجه اتهاما لأي طرف، بل طالب الجهات المعنية بالتحقيق في أسباب الحادثة. وجاءت فيما بعد تصريحات رئيس قسم التحقيقات في مكتب النائب العام لتؤكد بأن الطائرة سقطت نتيجة عطل فنّي، ولا وجود لآثار أعيرة نارية.

محطة أخرى لا نبالغ إن وصفناها بزلزال هزّ العدالة والبناء، وذلك إثر توقيع رئيس الحزب بالأحرف الأولى على الاتفاق السياسي، مما عزز الخلاف وزاد الرفض الداخلي والخارجي من تيار التشدد، فاجتمعت الهيئة العليا بشكل طارئ لتقييم قرار توقيع الأحرف الأولى. ومن الغريب أن الهيئة قررت أنه قرار خاطئ اتخذته قيادة الحزب، رغم أنه اتخذ وفق اللوائح. ويعد هذا موقفا غريبا؛ ربما يرجع إلى أن عددا غير قليل من أعضاء الهيئة هم بين مغيب عن المشهد أو منحاز للموقف الرافض لسياسات قيادة الحزب آنفة الذكر، إلا أن القيادة التنفيذية للحزب أكدت على إصرارها في قيادة مبادرة السلام رغم شدة العواصف، حتى وصلت بمركب الوفاق لمرفئه الأخير؛ بالتوقيع النهائي على الاتفاق السياسي في الصخيرات المغربية، وذلك بموقف وطني شجاع لعضو الكتلة في الحزب، الدكتور “صالح المخزوم”، وبتأييد كتلة الحزب وكل المستويات القيادية الأخرى، الأمر الذي ترتب عليه تغيير المؤتمر الوطني العام إلى المجلس الأعلى للدولة، ودخول المجلس الرئاسي إلى طرابلس، وإنهاء حكومة الغويل وما تبقى من المؤتمر الوطني العام.. كل ذلك أدى إلى زيادة الاصطفاف، مصحوبا بخطاب تصعيدي على القنوات الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي، مع ظهور المفتي في كلمة متلفزة يصف فيها حكومة الوفاق الوطني بـ”الفرقاطة”، وطالبها بمغادرة طرابلس قبل أن يفتح ضدها باب الجهاد، وأن الدماء ليست كلها معصومة، وطالب بمزيدٍ من التعديلات على الاتفاق السياسي، فكان للحزب موقف ضد هذا العبث، وأصدر بيانه الموسوم بـ”فتبينوا”، حيث فنّد من خلاله كل ما جاء على لسان المفتي.

الشورى والمجاهدون وشهداء الكرامة

محطة أخرى اشتدّ فيها الخلاف، بإعلان قيادة الحزب موقفها من الحرب الدائرة رحاها في مدينة بنغازي، ومناداتها بإيقافها حفاظا على المدينة وما تبقى من نسيجها الاجتماعي، ورفضها لمجلس شورى ثوار المدينة؛ لأن عناصره اختلطت بعناصر أنصار الشريعة وتنظيم “داعش”، فيما يرى المتشددون بأن هذه المجالس حليفتهم في القتال ضد عملية الكرامة. أضف إلى ذلك موقف الحزب الرافض لمغامرات سرايا الثوار في الهلال النفطي ورغبتها في الهجوم على مدينة بنغازي، ولم يختلف الأمر في أحداث مدينة درنة، فكان للحزب موقف إنساني مع أهلها المدنيين المحاصرين، إلا أنه رفض ما يسمى مجلس المجاهدين؛ لعدم وضوح ماهية مقاتليه، علاوة على أنهم لم يعلنوا بوضوح موقفهم من العملية الديمقراطية، خاصة وأنهم لا يعترفون بالأجسام السياسية المتواجدة في الشرق والغرب على حد السواء.

وهذا لا يعني أن التيار المعتدل بالحزب يتفق مع عملية الكرامة، حيث كان الموقف واضحا برفض أي أعمال عسكرية من شأنها الانقلاب على السلطة أو السيطرة على مؤسسات البلاد، غير أن التيار المعتدل يرى ضرورة محاربة الإرهاب والمجموعات المتشددة المتواجدة في الشرق الليبي، وهذا ما عبر عنه رئيس الحزب في إحدى القنوات المحلية، بأن احتسب من مات بنيّة محاربة الإرهاب من الشهداء، ولكن في الوقت ذاته أوضح بأن الحرب خلفت دمارا واسعا في المدينة، وكان بالإمكان أن تتم بأقل الخسائر البشرية والمادية، وذلك بحصر المجموعات الإرهابية وتضييق الخناق عليها وتنفيذ عمليات جراحية دقيقة، وليس بوضع الجميع في خانة واحدة، واستغلال الشعار النبيل “مكافحة الإرهاب” لتصفية الخصوم السياسيين، وتهجير العائلات، وتنفيذ عمليات القتل والتنكيل التي تتعارض مع كل القوانين والأعراف المحلية والدولية.

تأمين العاصمة ومحاولات اقتحامها

كما هو معروف، احتفظت الكتائب المسلحة الرافضة للاتفاق السياسي بتمركزاتها داخل طرابلس في قصور الضيافة وبعض المقرات الأخرى؛ تشاكس بين الحين والآخر، حتى وصل بها الأمر لمحاولة اغتيال رئيس المجلس الرئاسي “فائز السراج”، فساندت قيادة الحزب حكومة الوفاق في بسط سيطرتها على العاصمة بإخراج الكتائب المعارضة والرافضة للاعتراف بها أو الانضواء تحتها، وهو ما لم يرق للتيار المتشدد في الحزب والمنحاز لمواقف جناحي التشدد الإسلامي والثورجي تحت عباءة دار الإفتاء وبقايا المؤتمر الوطني وحكومة الإنقاذ المعاندة للمسار السياسي، والتي دعمت محاولات اقتحام العاصمة أكثر من مرة، وآخرها العمليات العسكرية جنوب العاصمة بقيادة لواءي السابع والصمود، في حين كان موقف قيادة الحزب رافضا لهذه الحرب مهما حاول البعض تبريرها، واعتبرها عبثاً بأرواح المدنيين والآمنين، فلا يمكن قبول فكرة استبدال مليشيات بمليشيات أخرى.

خيارات المستقبل

تعرض الحزب إلى محاولات إقصاء وتشويه بالآلة الإعلامية الممولة من الخارج، إلا أن القيادة الحالية حافظت على تواجده في المشهد، ولعبت دورا رئيسيا في استقرار البلد، متبعةً سياسة متوازنة غلّبت فيها مصلحة ليبيا والليبيين على المصالح الضيقة، وتغلبت على الأخطار الخارجية والعواصف الداخلية، ولم تخضع للضغوطات وأهواء المتشددين في كل محاولاتهم التي باءت بالفشل في تغيير بوصلة القيادة الموجهة نحو مصلحة الوطن واستقراره.

وها هو استحقاق انتخابي جديد أمام العدالة والبناء في مطلع العام المقبل، كأول حزب ليبي جاءت قياداته عبر صناديق الانتخابات من أعضائه، وستغادر بالطريقة ذاتها، مما يعتبر إنجازا كبيرا في بلد ما يزال يحبو ببطء نحو التحول الديمقراطي الذي يواجه تحديات عديدة ومحاولات لوأد التجربة في مهدها.

وعلى الرغم من إعلان رئيس الحزب السيد “محمد صوان” عدم ترشحه لرئاسة جديدة، إلا أن بعضا من التيار المعتدل لا زال يحاول ثنيه عن قراره، بأن يترك هذا الأمر ليقرره المجتمعون في المؤتمر العام. فهناك توجه بتعديل النظام الأساسي ليكون المجال مفتوحا أمام تقدمه مجددا للانتخابات، وهناك أيضا توجه آخر بأن يتم ترشيح أحد قيادات التيار المعتدل لرئاسة الحزب، كما يرى آخرون بأن نصل بالخلاف مع التيار المتشدد إلى محطته الأخيرة، ويكون لكل من التيارين كيان يمثل مشروعه، وهذا الأمر لم يحسم بعد، ولا زالت كل الخيارات مطروحة.

 

الكاتب الصحفي عبدالسلام أجويد
المصدر: موقع عربي 21

 

 

 

عن mohamed da

شاهد أيضاً

نصيحة مشفق.. شاركوا بالملتقى الجامع

‫قد لا يكون متاحا المشاركة الشخصية لكل واحد منا بالملتقى وحضور جلساته، ولكن بإمكان الجميع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *