الرئيسية / مقالات الرأي / الصراع الليبي والعودة الأمريكية

الصراع الليبي والعودة الأمريكية

لا يخفى على أحد دور المجتمع الدولي في الأزمة الليبية وما نتج عنها من صراع بلغ حدته منذ 2014 ولازال مستمراً حتى اليوم، وأكثر ما يتّسم به الدور الدولي أنه كان منذ 2011 تحت مظلة الأمم المتحدة ويستمد شرعيته من قرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بليبيا، كما أنه لا يخفى على أحد غياب موقف موحد من الفاعلين في المجتمع الدولي إزاء الانقسام الذي أصاب العملية السياسية في ليبيا منذ 2014، وهو الأمر الذي أتاح لدول إقليمية الاضطلاع بأدوار كبيرة في الأزمة الليبية كانت في مجملها سلبية غذّت الصراع وأدت إلى مزيد من تكريس الانقسام والتشظي.

كان لعدم توافق المجتمع الدولي على صيغة تحفظ لمختلف أطراف الدولية مصالحها في ليبيا أثره في عدم الضغط بقوة على أطراف الصراع الليبي للوصول إلى تسوية تحقق الاستقرار وتنهي النزاع، ولعلّ تفاقم الأزمات في المنطقة أكثر حساسية وفي ملفات أكثر إلحاحاً كالملف الإيراني والأزمة السورية والحرب على اليمن هو ما جعل الملف الليبي في ذيل أولويات المجتمع الدولي، واكتفى المجتمع الدولي بالمحافظة على حالة الجمود السياسي التي حققت توازناً بين أطراف الصراع الليبي جعلت من الصعب تمكن أحد الأطراف من الحسم لصالحه.

ولكن يبدو أن تصاعد حدة العدوانية في السياسة الأمريكية وتبنيها سياسة أكثر اندفاعاً في كثير من ملفات السياسة الخارجية في المنطقة سيجعلها تستخدم الملف الليبي كورقة تسوية وتوازن لملفات أخرى وفي مقدمتها ملف العقوبات على إيران بعد انسحابها من الاتفاق النووي، وما يتبع ذلك من أضرار ستلحق الشركات الأوروبية المستثمرة في قطاع النفط الإيراني.

يعتبر الضغط الأمريكي على قائد عملية الكرامة حفتر من خلال داعميه مصر والإمارات من أجل استئناف تصدير النفط من موانئ الهلال النفطي وإرجاعها لإدارة المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس من أهم المواقف الفارقة للإدارة الأمريكية منذ 2011، وحقيقة إن الدور الأمريكي تراجع في ليبيا على حساب الدور الأوروبي الذي كان ضعيفاً وغير متوافق، ويبدو أنّ أمريكا تريد من عودتها استخدام الملف الليبي لتخفيف التوتر الأوروبي الناتج عن انسحابها من الاتفاق النووي الإيراني وإعدادها لعقوبات مغلظة على إيران ستطال القطاع النفطي، فهل إلقاؤها بثقلها في الملف سيتجه به نحو الاستقرار؟

إن تعيين ستيفاني ويليامز القائم السابق بأعمال السفارة الأمريكية في ليبيا كنائب لرئيس البعثة الأممية للشؤون السياسية بتوصية مباشرة من الرئيس الأمريكي يؤشر إلى أن أمريكا تريد أن يكون لها دور مباشر في الصراع الليبي، ومن المرجح أن السياسة الأمريكية تريد حالة من الاستقرار في ليبيا لعدة اعتبارات من أهمها: أن النفط الليبي سيغطي جزءاً من فاقد النفط الإيراني في السوق العالمي وهو بذلك سيحقق الاستقرار في أسعار النفط، كما أن هذا الاستقرار سيمثل فرص استثمارية بديلة للشركات الأوروبية التي قد تتضرر استثماراتها في إيران نتيجة العقوبات الأمريكية، إضافةً لذلك تريد أمريكا أن تلعب دور أكبر في توحيد السياسة الأوروبية المتباينة نحو ليبيا ساعيةً بذلك إلى ترميم علاقتها مع الدول الأوروبية نتيجة للتوترات الحاصلة من بعض القضايا وعلى رأسها الملف الإيراني، والضرائب التي فرضتها أمريكا على الصادرات الأوروبية إليها.

أيضاً فإن أمريكا تريد بإحياء العملية السياسية في ليبيا وإنهاء الصراع قطع الطريق أمام التوسع الروسي في المنطقة بعد تقارير استخباراتية –بحسب واشنطن تايمز- أشارت إلى وجود تواصل بين موسكو وقائد عملية الكرامة وسعي موسكو إلى أن يكون لها وجود عسكري في ليبيا، وهو ما يجعلها تقف على بوابة الاتحاد الأوروبي الجنوبية.

على صعيد آخر فإن فرنسا بدأت تتراجع عن دعمها لحفتر وقد سعت في لقاء باريس الأخير أن تدفع بالعملية السياسية إلا أنها لم تتشاور بشكل كافٍ مع شركائها الأوروبيين وتعنت حفتر فيما يخص إنهاء الانقسام وإلغاء الحكومة الموازية أحرجها وجعل إيطاليا أقرب للموقف الأمريكي خاصة بعد وصول الحكومة الجديدة للحكم والتي وعدت بحل ملف الهجرة الذي تعتبر إيطاليا أكبر المتضررين منه، ولعل هذا ما يفسر الزيارات المتتالية للمسؤولين الإيطاليين إلى طرابلس.

إلى الآن لا يمكن التكهن بشكل كامل حول الموقف الجديد الذي سيتخذه المجتمع الدولي بعد العودة الأمريكية القوية إليه، ولكن المرجح أن إعادة تفعيل اتفاق الصخيرات لتحقيق حالة الاستقرار سيكون أقرب الحلول المطروحة خاصة بعد بدء الحديث عن تأجل الانتخابات التشريعية إلى منتصف 2019، واستبعاد الحديث عن الانتخابات الرئاسية.

ومع ذلك فإن المجتمع الدولي سيبقى متراخياً وستستمر حركته محدودةً بما يحققه مصالحه ما لم تتحرك الأطراف الليبية لحل الأزمة وإنهاء الصراع بشكل جدّي، وأعتقد أنّ الوقت مناسب لمثل هذا التحرك خاصةً وأن معسكر الكرامة فقَد كل حججه لاستمرار الأعمال القتالية، وانخراطه بشكل مفضوح في أمور لا ينبغي لمؤسسة عسكرية –كما يزعم- أن تخوض أو تنخرط فيها ومن ذلك تفاوضه من أجل منصب محافظ مصرف ليبيا المركزي، إضافة إلى أن داعميه لن يستطيعوا مخالفة أو مجابهة الموقف الأمريكي، ولا يفوتني هنا دعوة التيارات التي تتسمى بالتيارات الوطنية أن تخرج من عباءة مشروع العسكرة الإقصائي وأن تتجه للضغط من أجل تسوية سياسية تحقق الاستقرار وتستوعب الجميع.

علي أبوزيد/ كاتب ليبي

المصدر: ليبيا الخبر

عن munir

شاهد أيضاً

القضاء.. ركن الدولة الغائب

علي أبوزيد/ كاتب ليبي إن مبدأ الفصل بين السلطات وإعطاءَ كلّ سلطة استقلاليتها عن غيرها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *