الأخبار
الرئيسية / مقالات الرأي / يداك أوكتا وفوك نفخ

يداك أوكتا وفوك نفخ

بقلم: عبدالرزاق العرادي

يتحدث الدكتور محمود جبريل حول موضوعين، ما فتئ يكررهما مرارا وتكرارا، وقمت بالرد عليهما مرارا وتكرارا، عبر تغريدات ومقالات ورسائل مباشرة. سأتناول في هذا المقال أحد هذين الموضوعين بشكل حاسم.

وقبل ذلك أؤكد أنني إنما أفعل ذلك بقصد تصحيح المغالطات وليس بقصد الجدل أو الخصومة.

أول هذين الأمرين، هو إشارة الدكتور محمود جبريل المتكررة بأن تيارا معينا كان وراء صياغة وإقرار قانون انتخاب المؤتمر الوطني العام، وبعد قرابة ست سنوات خرجت، الحقيقة الدامغة التي سأكشفها لأول مرة في هذا المقال. أما الأمر الثاني فكان حول تشكيل اللجنة الأمنية العليا المؤقتة، والذي ما زلت أجمع المعلومات الحاسمة حولها وسأفرد لها، بإذن الله، مقالا آخر إن كان في العمر بقية.

ذكر الدكتور محمود جبريل في معرض حديثه عن قانون انتخاب المؤتمر الوطني العام على قناة العاصمة في 25 ديسمبر 2013م: “أن الذي فرض القانون (قانون انتخاب المؤتمر الوطني العام) هو تيار سياسي معين.” وقال أيضا في مقابلة مع صحيفة الحياة للصحفي غسان شربل في فبراير 2014 إن “صياغة قانون انتخابات المؤتمر تمت بطريقة تتيح لتيارات معينة فرصة الالتفاف على ما يسمونه «الصوت المتحوِّل»”. وقال جبريل في ذات المقابلة “إن قانون الانتخابات كان غير ديموقراطي على الإطلاق ورغم ذلك رضينا بهذا القانون”. وقال مؤخراً على قناة 218 في 13 يناير 2018م ” إن القانون تمت صياغته بطريقة غير ديمقراطية ولم يكن عادلاً على الإطلاق”، ولا ينبغي هنا بحال أن أنكر، أن الدكتور محمود جبريل قال في هذه المقابلة، كلاماً آخر نفيساً، بشأن الحياة السياسية والحزبية، ونفى بشكل قاطع، أن تكون هناك حياة ديمقراطية بدون وجود أحزاب، ولكن هذا الكلام النفيس، خارج سياق وموضوع المقال. وحتى نضع القارئ الكريم في صورة ما حدث، أشير إلى مقتطفات من رسالتي التي وجهتها إلى الدكتور محمود جبريل في 26 ديسمبر 2013 والتي تلخص القصة: “ذكرت البارحة (أي في 25 ديسمبر 2013) في معرض حديثك عن قانون انتخاب المؤتمر الوطني العام بأن الذي فرض القانون تيار سياسي معين…”.

اسمح لي بكل احترام أن أقول لك إن هذا الكلام عارٍ عن الصحة تماماً وأن الذي فرض هذا القانون هو الدكتور فتحي البعجة وقد بينت ذلك في حينه، في مقال قصير.” ويمكن أن أستدرك الآن بالقول؛ بألا أحد فرض قانونا معينا، ولكن هناك من ضغط باتجاه إقرار الصيغة التي خرج بها القانون، يتقدمهم الدكتور البعجة، وسأكشف في هذا المقال، من هم الذي تقدمهم البعجة، وبالطبع ليس فيهم أحد من التيار المعين الذي يقصده الدكتور محمود جبريل.

وهذه تفاصيل ما حدث، في الأيام التي سبقت صدور قانون انتخاب المؤتمر: – أقر المجلس الوطني الانتقالي قانون انتخاب المؤتمر الوطني العام على أساس انتخاب أعضاء المؤتمر الـ 200 بالنظام الفردي( المشروع الأول).

– اعترض كثير من مؤسسات المجتمع المدني ونشطاء سياسيون على هذا القانون. – أعيد النظر في القانون وقامت ثلة من النشطاء من بينهم الأستاذ صلاح المرغني (قبل أن يكون وزيرا للعدل في حكومة علي زيدان) والدكتور الهادي بوحمره والدكتور الكوني عبودة والأستاذة عزة المقهور، عبر الهاتف والإيميل، والدكتور نجيب الحصادي والأستاذ هشام الشلوي والأستاذ إسماعيل القريتلي وآخرين، بصياغة مشروع قانون متوازن، يقترح انتخاب 136 عضوا بنظام القائمة و64 بالنظام الفردي (المشروع الثاني)، وكان هذا النظام سيمنع سيطرة أي فصيل سياسي معين من خلال الثلث المعطل، وأعطى هذا المشروع أيضاً فرصة أكبر للمرأة. – أقر هذا القانون من قبل المجلس وكان الدكتور فتحي البعجة غائبا عن هذه الجلسة.

– حضر الدكتور فتحي البعجة في الجلسة التالية، وخوف أعضاء المجلس الوطني الانتقالي من القانون، وشدد في رفضه، واتهم كعادته الإخوان بأنهم وراء هذا القانون.

– اقترح عضو المجلس الأستاذ فرحات الشرشاري، (لا أستطيع أن أجزم أن كان هذا الأمر بتنسيق مع الدكتور البعجة)، أن يكون انتخاب المؤتمر على أساس 120 للفردي و80 للقائمة (المشروع الثالث)، وتم الضغط باتجاه إقرار هذا القانون المشوه.

الحقيقة تتكشف لا تلبث الحقيقة مختفية طول الوقت؛ فيأتي اليوم الذي تنجلي فيه، وينكشف زيف الدعاوى التي يحاول البعض حجبها. وقد وقع ذلك في هذه الحالة كما يقع دائما، وجاءت الحقيقة على ألسنة شهود غير متهمين في العلاقة بهذا التيار المعين الذي يقصده جبريل.

التحالف وراء القانون المشوه الذي أصدره المجلس الوطني الانتقالي في إحدى المناسبات الاجتماعية، استمعت لمن كان يتحدث عن قانون انتخاب المؤتمر الوطني العام وقال: جاء يوم الجمعة 27 يناير 2012م إلى مكتب تحالف القوى الوطنية بحي الأندلس الدكتور فتحي البعجة، ليخبرهم بانفعال شديد، أن المجلس الوطني الانتقالي، قد أقر قانونا لانتخاب المؤتمر الوطني العام في جلسته يوم 26 يناير 2012م، على أساس انتخاب 136 عضوا على القوائم و64 على الفردي، وأنه لم يكن حاضراً تلك الجلسة التي أقر فيها القانون. كان الدكتور محمود جبريل من ضمن الحضور، بالإضافة إلى الأستاذ أشرف الشح والأستاذ عبدالرحمن الشاطر والدكتور فيصل الكريكشي، وعبدالمجيد امليقطة وآخرين.

فقال الدكتور محمود جبريل: ” هذا أمر دبر بليل من قبل الإخوان”، فقال له الشح لماذا؟ فقال جبريل لأنهم أكثر تنظيماً، فقال الشح “لربما في مصر ولكن ليس في ليبيا، وإن رفضنا هذه التركيبة فلن نضمن الأغلبية”.

تم الاتفاق، في هذا اللقاء، على تخويف أعضاء المجلس الوطني الانتقالي من هذا القانون، الذي يزعمون أن صياغته تمت من قبل الإخوان، وقرروا الضغط على أعضاء المجلس الانتقالي لإجهاض هذا القانون (المشروع الثاني) الذي تم إقراره في الجلسة الماضية.

وهذا ما كان بالفعل، وقام بلعب هذا الدور الدكتور فتحي البعجة نيابة عن تحالف القوى الوطنية، فأجهض القانون المتوازن (المشروع الثاني) وأقر القانون المشوه (المشروع الثالث)، الذي حال دون حصول تحالف القوى الوطنية على الأغلبية التي تمكنه من الوصول للسلطة، ورب ضارة نافعة، وستعرفون لماذا؟ قبل نهاية المقال.

استفسرت من الأستاذ أشرف الشح في حينها، والشح شخصية وطنية، كان من قيادات التحالف النشطة، وأكد لي دقة ما ذكرته أعلاه.

ثم عرضت هذه الرواية على الأستاذ عبدالرحمن الشاطر، وهو كاتب وشخصية وطنية معروفة، وكان من قيادات التحالف، فعلق بالقول “صدقت، هذا ما تم فعلا، وصف دقيق”. كما تواصلت مع الدكتور فيصل الكريكشي، ولم ينفه بالمطلق ولكن لم يتذكر هذا اللقاء. ترشيح أعضاء يمكن التحكم في إرادتهم تواصلت مرة أخرى مع الأستاذ أشرف الشح بعد أشهر، مستفسراً عن ضعف خيارات التحالف، والأداء السيء لكتلته تحت قبة البرلمان، فعلق الشح بالقول “الحمد لله أنهم لم يوافقوني (يقصد: على إبقاء مشروع قانون 136 للقوائم و64 للأفراد) ” نظرا لضعف أداء أعضاء التحالف كما سيبين أدناه. ثم أضاف الشح: “حصل نقاش بيني وبين عبدالمجيد امليقطة في كيفية اختيار الأعضاء فكان رأيي أن يتم اختيار الأعضاء من الوزن الثقيل ومن أصحاب الكفاءات، وكان رأي امليقطة أن يتم اختيار أعضاء يمكن التحكم في إرادتهم، وقد رَجَحَ رأي امليقطة”.

قيادات التحالف تترشح على النظام الفردي قبل الختام، ذكر الدكتور محمود جبريل في مقابلته على قناة 218 التي ذكرتها آنفاً، أن هذا القانون “مخالف لإرادة المواطن”، وقال فيما يخص النظام الفردي، إن هناك “تلاعبا” “وخدعة واستغلالا لوعي المواطن”، وهذه مغالطات لا تستقيم على مسطرة العملية الديمقراطية.

ولكن؛؛؛ لو أننا فرضنا أن ما ذهب إليه جبريل كان صحيحاً، وأن هناك تلاعبا وخدعة واستغلالا لوعي المواطن، فإنه بذلك يكون الدكتور جبريل قد شارك في هذه الخداع، وهذا التلاعب وهذا الاستغلال؛ حيث شارك تحالف القوى الوطنية بالدفع من خلال النظام الفردي، بأعضاء كانوا على رأس التحالف، بل من قيادته بالهيئة العليا من قبل الانتخابات؛ منهم الأستاذ أبوبكر مرتضى مدور عن غدامس، ومسعود عبيد الطاهر عن مرزق وآخرين ترشحوا على النظام الفردي وهم من تحالف القوى الوطنية. والجدير بالذكر هنا؛ أن وقت إجراء انتخابات المؤتمر الوطني العام، لم يكن قد رخص لأي حزب سياسي، بل شاركت كلها ككيانات سياسية واكتسبت شرعيتها من خلال تسجيلها لدى المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وهي ذات المفوضية التي حسمت بشكل قاطع، الجدل بشأن النظام الفردي، وقررت أنه لا يشترط في المترشح على النظام الفردي أن يكون مستقلاً، وفسرت مراد المشرع، الذي لم يعترض على تفسيرها، وكان آنذاك مازال على رأس السلطة التشريعية. على من يقع اللوم؟ دكتور جبريل، لقد أجهدت نفسي حتى أضع بين يديك هذه الحقائق مرة أخرى، وأنا أعلم أنك لا تجهلها، وعلى الأغلب فهي لا تغيب عنك حين تتحدث بغيرها، ولكن الذاكرة تنتقي ما يدعم الوضع الذي رتبه الإنسان لنفسه. لا وجود لأي حبكة إلا في الأذهان، وكان بالإمكان التعاون مع هذا التيار الذي واصلتم الإشارة إليه، وقد تثبت لكم الأيام أنه تيار وطني بامتياز، مد أياديه إليكم في كل المحطات وبكل صدق، لأجل هذا الوطن، ولكن الحبكة التي في الأذهان انحرفت بخياراتكم.

أؤكد لسيادتكم، مرة أخر أخي الدكتور، أنه ليس بيني وبينكم أي خصومة شخصية على الإطلاق، بل على المستوى الشخصي أحفظ لكم كل الود والاحترام، ولكن أخذت على نفسي العهد أن أكون قاسياً في ردي لأي مغالطة مقصودة للتاريخ أو لأي حدث كنت شاهدا عليه؛ مراعاة للأمانة وشهادة لله ثم للتاريخ.

دكتور محمود، التحالف هو من يلام في إجهاض مشروع القانون المتوازن، الذي كاد أن يوصلكم إلى السلطة، والتحالف من يلام في إقرار القانون المشوه، الذي أبعدكم عن السلطة، وهو الذي يلام في اختيار أعضاء ضِعاف، ليتم التحكم في إرادتهم، في مقابل الكفاءات التي كان يزخر بها التحالف قبل أن تبتعد … بالمجمل؛ يدكم أوكت وفوكم نفخ، فلا تلومن إلا أنفسكم.

المصدر/عين ليبيا

عن علي المنصوري

شاهد أيضاً

ليس دفاعا عن الحزب

لم أعد عضوا في حزب العدالة والبناء، ولست هنا بصدد الدفاع عنه، ولكنني أدافع عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *